الزمن الذي لا يبرأ | وئام السوادي

الزمن الذي لا يبرأ | وئام السوادي
شاعرة | عراقية
مرّ عامان على رحيل أبي،
عامان لم يقترب فيهما الزمن من الشفاء،
بل ظلّ يدور حول غيابٍ واحد
كأنّه مركز العالم كلّه.
تمضي الأيام ببطءٍ يشبه النسيان،
وتتراكم السنين فوق صدري
دون أن تصل إلى نهايتها.
الذكريات لا تغادر مكانها،
لا تسقط،
لا تخفت…
كأنها معلّقة في هواءٍ لا يعرف الانطفاء.
كم أخذت الأرض من وجوهٍ تاهت في العتمة،
وكم تركت في القلب فراغًا
يشبه البكاء حين لا يجد من يسمعه.
أقول—والألم لا يهدأ—
يا أبي،
منذ رحيلك لم يعد في الزمن ما يدلّ عليك،
ولا في الجهات ما يشير إليك.
يقولون إن في الغياب حياةً أخرى،
وأن الأرض لا تنهي الحكايات،
بل تؤجلها في هيئة صمت.
وأنا…
لا أريد سوى أن تعود كما كنت:
ببدلتك الوقارَ ذاته،
ورباطك الذي لا يختل،
وحذائك الذي كان يلمع كأنه يعرف الطريق دائمًا،
وصوتك حين كان يفتح المعنى
على الشعر… وحديثٍ يُروى.
أتذكّرك،
كأن الذاكرة بيتٌ ما زلت أعيش فيه وحدي،
ولا تتذكّرني،
كأن المسافة بيننا صارت أبعد مما يحتمل القلب.
أناديك
بكلماتٍ لم تكتمل بعد،
تتعثر في فمي،
ولا تصل إليك.
لعلّها توقظ فيك ما لا يموت،
أو تُعيد إليّ بعض ما قد مضى.
كفى أوهامًا تُقال لتخفيف الغياب،
وكفى تجميلًا لفقدٍ لا يشبه إلا نفسه.
سيقولون: كفرٌ…
لكنها ليست إلا حقيقة متأخرة:
ما تأخذه الأرض
لا يعود.
ومهما امتدّ البكاء،
ومهما ثقل الغياب،
يبقى الفراغ
هو الحقيقة الوحيدة التي لا تتغيّر.




