أنتم جميعاً عراة

أنتم جميعاً عراة
كتب رياض الفرطوسي
في زمن “المنعطفات” الكبرى، لا تكون وظيفة المثقف وصف الخراب بعد وقوعه، بل هي “الرؤية في الظلام” واستشراف الهاوية قبل الانزلاق إليها. لقد كانت الرائحة تفوح منذ زمن المعارضة قبل اسقاط الطاغية ؛ رائحة تشبه “ثلاجات الموتى” كانت تنبعث من ممرات الاحزاب والتيارات والجماعات ، حيث كانت النخب التي تستعد لوراثة البلاد تفتقر لأي مشروع دولة، ولا تملك سوى عقلية الثأر والانتقام والاستحواذ والاستعراض . واليوم، وبعد سنوات من الوهم، نجد أنفسنا أمام الحقيقة التي حاول الجميع إخفاءها.
تخبرنا القصة الشهيرة للكاتب “هانس كريستيان” عن إمبراطورٍ أقنعه محتالان بصناعة بدلة فاخرة لا يراها إلا الأذكياء والمخلصون، فخرج إلى الشارع عارياً تماماً، بينما كانت الحاشية تبالغ في وصف أناقته والجمهور يصفق تملقاً وخوفاً، حتى صرخ طفل بصدق مرعب: “الإمبراطور لا يرتدي شيئاً!”. في واقعنا، نحن نعيش النسخة الأكثر انحطاطاً من هذه الأسطورة؛ فالإمبراطور ليس فرداً واحداً، بل هو “طبقة” كاملة، والحاشية ليست مجرد أتباع، بل هي “مافيا” منظمة، والجمهور ليس مغفلاً، بل هو مجتمع استمرأ الصمت والخوف واللامبالاة حتى أدمن رائحة التفسخ.
تقول إيزابيل الليندي (روائية تشيلية رائدة في الواقعية السحرية): “الأوغاد يشكلون ألذ جزء في الحكايات”، لكن أوغاد قصتنا منحونا “الضحالة الأخلاقية” والجبن وموت الضمير. نحن لا نواجه “عراباً” بهيبة آل باتشينو (ممثل أمريكي أيقوني اشتهر بتجسيد أدوار زعماء المافيا)، بل نحن أمام “عراب تافه”؛ مسطح ومزاجي وغرائزي، هو ابن شرعي لمرحلة ضياع الهويات وانقلاب الأدوار. هؤلاء “ضِباع الفطايس” لم يتركوا شيئاً إلا وسرقوه؛ من الأضرحة والمنائر إلى القبور والكنائس، وتحولوا إلى شبكة معقدة تضم سياسيين، وقضاة، ومدراء مصارف، ووعاظ قتلة، يديرون عالماً مخفياً من القمار والرقيق والمال الحرام خلف واجهة الشعارات والجدران.
إن هذا “الواقع المحجوب” ليس معروضاً للتناول العام، بل يُكتشف برفع النقاب عن منظومات الزجر والعقاب التي تدفع بالحثالات إلى صدارة المشهد تحت عناوين سياسية مزورة. وما كان لهذا “العراب الصغير” أن يظهر في زمن الدكتاتورية؛ لأن الأيديولوجيا حينها، بتعبير بول ريكور، كانت “تحجز الزمان والمكان” ولا تسمح باقتسام الغنيمة. أما اليوم، فالدين يُوظف لأغراض دنيئة من قبل زنادقة بلا ضمير، واللص لا هوية له غير المصرف الذي يسطو عليه “بشكل قانوني”.
لقد حلّ اللص والانتهازي وضارب الدف محل المثقف النقدي، في واقعٍ يرفض الحراك ويُجهض أي إزاحة جيلية حقيقية. فما نراه اليوم ليس صراع أجيال، بل هو تكريس لـ ‘إقطاعيات سياسية’ لا تعترف بالبرامج أو الخدمة العامة؛ حيث يُباع المقعد البرلماني ويُشترى بالمال والنفوذ، لا بقناعة الناس. وبينما يعتقد هؤلاء ‘الأباطرة’ أن حواشيهم وأصهارهم هم الحصن المنيع، ينسون أن القلاع التي تُبنى على رمال الفساد والصفقات تتآكل من الداخل، وأن المدن الآثمة مثل ‘سدوم وعمورة’ (مدينتان تاريخيتان صارتا رمزاً للانحلال الأخلاقي والخراب الشامل) لم تسقط بالجيوش، بل بانهيار قيمها وانحلالها الأخلاقي.
حين تتجبر البطانة وتتضخم، وتستعرض بدهائها المسرحي أمام جمهور أدمن الانتظار، تتحول إلى “مطرقة وسندان” تسحق الحاكم والمحكوم معاً. واليوم، نحن بحاجة لجرأة ذلك الطفل لنواجه هذا المشهد السريالي ونقولها بملء الفم: “أنتم جميعاً عراة”؛ عراة من المشروع، عراة من الكفاءة، وعراة من الغطاء الشعبي. لم يعد الكذب ينطلي على أحد، ولم تعد البدلات الأنيقة وربطات العنق والمواكب الضخمة والمصفحات السوداء قادرة على إخفاء الرذائل الداخلية، فالسقوط من الداخل قد بدأ، وصوت الانهيار بات مسموعاً لمن يملك شجاعة الإنصات.




