سروج الحمير

سروج الحمير
كتب رياض الفرطوسي
في بلدة “بارله ناساو” الهادئة جنوب هولندا، انتهت رحلة شاقة لـ 49 حماراً قادمة من نيران الحرب في غزة والضفة الغربية، لتبدأ حياة لم تكن تحلم بها في “قصر الحمير”. هناك، حيث استقبلتهم “مارلهينه ماوس” بقلبٍ يرى في هذا الكائن شريكاً في الألم لا مجرد آلة للجر، تحولت جروح السياط وآثار الحروق إلى ذكريات تُداوى بالرفق والعلاج المركز. في ذلك الملجأ الذي يرفض أن يكون مجرد حظيرة، تعيش الحمير تجربة “الفندق” الشامل، حيث الطعام الوافر والدفء والكرامة المستردة، في محاولة إنسانية لغسل غبار القسوة التي تعرضت لها تحت شمس الشرق الحارقة، وكأن الغرب أراد أن يعيد الاعتبار لهذا المخلوق الصبور الذي ساهم في بناء الحضارات بصمت، بينما يفرغ الإنسان المأزوم غضبه وتوتره في جسده المنهك.
غير أن المشهد في ضفة أخرى من العالم يتخذ شكلاً مغايراً تماماً؛ فبينما تُنقل الحمير في أوروبا إلى “قصور” لتُمنح الراحة، نجد في بلادنا مَن يُستدعى من “القطيع” ليُلبس أرقى البدلات ويتقلد المناصب، مع فارق جوهري في الأناقة بين “ربطة العنق” وبين “الجلال” (غطاء الظهر للحمار) الذي استُبدل ببدلة إيطالية، لكن “الحبل” لا يزال ممدوداً من خلف الحدود. إن المفارقة تكمن في أن الحمار الحقيقي وجد من يحترم “حمارِيّته” في هولندا، بينما نجد في دوائرنا من يقود بمؤهلات لا تتعدى الطاعة العمياء، في بلدٍ قيل فيه لخبير عالمي كالدكتور فاروق القاسم (جيولوجي عراقي يُعدّ “الأب الروحي” للنهضة الاقتصادية في النرويج، وصاحب نموذج إدارة الثروة النفطية لصالح الأجيال): “ارحل لكي لا تُقتل”، لأن رؤيته للتنمية كانت تهدد مصالح المافيات التي ترى في النفط مجرد “علف” يُوزع لسد الرمق وإدامة الولاء، لا لبناء دولة كالنرويج.
هذه العقلية هي التي جعلت “لغة النخس” هي السائدة في التعامل الدبلوماسي؛ فعندما يتحدث سادة البيت الأبيض خلف الكواليس عن قادة المنطقة، فإنهم لا يستخدمون مصطلحات الفلسفة السياسية، بل يلجؤون إلى مفردات “سوقية” تعامل المسؤول كأنه كائن يحتاج دائماً إلى “الحث” المستمر. كلمة “الإسراع” التي يكررها الرئيس الأمريكي في اتصالاته لتشكيل الحكومات، ليست دعوة للديمقراطية، بل هي “نخزة” حادة لبغال سياسية يُراد منها التحرك لتنفيذ أجندة لا علاقة لها بمصالح الشعوب أو كفاءة الوزراء، بل بضرورات الداخل الأمريكي. لقد أدرك هؤلاء أن الطائفية والرأسمالية وجهان لعملة واحدة، كلاهما يتقن تغليف الجشع بشعارات براقة.
وفي خضم هذا المشهد العبثي، يبرز التباين الصادم في “الاهتمامات”؛ فبينما تسعى “مارلهينه” في هولندا لضمان كرامة حمارٍ منسي، يغرق “حمير الوطن” في سباقٍ محموم لا يخرج عن دائرة “السروج والفروج”. إنهم مشغولون ببريق “السَّرج” المتمثل في كرسي السلطة وامتيازات المنصب، وبنزوات “الفروج” التي تختصر طموحاتهم في ملذات عابرة، تاركين خلفهم وطناً ينزف وخزائن تُنهب. لقد استبدلوا هموم الدولة بهموم “الغرائز”، فصارت أحلامهم لا تتعدى فخامة المقعد المذهب أو غواية النفوذ، ليبقى المواطن عالقاً في حيرة من أمره: أيهما أكثر حظاً، حمار غزة الذي استقر في “قصر هولندا” ليجد أماناً لا يستحقه، أم بشرٌ في بلادي يُقادون من سروجهم الحريرية نحو المجهول، وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً؟




