حيث يسكن النظام

حيث يسكن النظام
كتب رياض الفرطوسي
ليس من الحكمة أن نبحث عن النظام في العناوين العريضة فقط، ولا من الدقة أن نختزله في صورة الحكومة، كأنها الأصل وكل ما عداها ظل.
الحكومة، في أفضل الأحوال، هي التعبير الأعلى عن توازنات أعمق، طبقات غير مرئية من السلوك والمعنى تتشكل ببطء داخل المجتمع، ثم تصعد إلى السطح في شكل مؤسسات وقوانين.
النظام، بهذا المعنى، لا يبدأ من القمة، بل يتكثف فيها.
هو حاضر في التفاصيل التي تبدو عادية حدّ الابتذال، في طريقة تنظيم الطابور، في نبرة الحوار بين المختلفين، في قدرة الناس على إدارة خلافاتهم دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
هو في الثقة التي تسمح للغرباء أن يتجاوروا دون ريبة، وفي القلق الذي يجعل كل باب يحتاج إلى قفلين بدل واحد.
ليس المقصود هنا تبرئة السياسة، ولا التقليل من أثرها، بل إعادة وضعها في سياقها الطبيعي.
فالسياسة، مهما بلغت من القوة، لا تعمل في فراغ، بل تتحرك داخل نسيج اجتماعي يحدد لها حدودها وإمكاناتها.
يمكن تغيير الحكومات، وهذا أمر يحدث في كل زمان،
لكن تغيير العادات أبطأ، وتغيير الذهنيات أبطأ من ذلك بكثير.
لذلك، حين يُختزل النظام في مؤسساته فقط، يصبح النقاش ناقصاً،
لأنه يتجاهل المصدر الذي يمنح تلك المؤسسات معناها الفعلي.
النظام يظهر في المدرسة بقدر ما يظهر في البرلمان،
في أسلوب التعليم لا في المنهج فقط،
في تشجيع التفكير لا في تكديس المعلومات.
ويظهر في الأسرة، في الطريقة التي تُدار بها السلطة الصغيرة داخل البيت،
حيث يتعلم الفرد مبكراً معنى الحوار أو معنى الخضوع،
وهذه الدروس الأولى لا تُمحى بسهولة.
كما يظهر في المجال العام، في نظافة الشارع، في احترام الوقت،
في إحساس الفرد بأن الفضاء المشترك ملك له بقدر ما هو ملك لغيره.
هذه التفاصيل ليست هامشية كما تبدو، بل هي التي تمنح القوانين روحها، أو تفرغها منها.
النظام أيضاً حالة شعورية،
إحساس بالأمان يسمح للإنسان أن يعيش يومه دون توتر دائم،
وإحساس بالإنصاف يجعله يقبل بالقواعد حتى عندما لا تخدمه مباشرة.
حين يختل هذا التوازن، لا يظهر الخلل فقط في الخطاب السياسي،
بل في العلاقات اليومية، في اللغة، في مستوى الثقة، في طريقة النظر إلى المستقبل.
ولهذا، فإن أي حديث عن الإصلاح يظل محدوداً إذا لم يلتفت إلى هذا المستوى العميق.
فالمؤسسات يمكن تعديلها، لكن استقرارها يعتمد على البيئة التي تحتضنها.
ليس المطلوب صداماً مع الواقع، ولا إنكاراً لتعقيداته،
بل فهمٌ أدق لطبيعة النظام نفسه، بوصفه شبكة مترابطة،
كل خيط فيها يؤثر في الآخر.
وعندما يتحسن هذا النسيج تدريجياً،
تنعكس آثاره على السياسة بشكل طبيعي،
دون حاجة إلى قفزات حادة أو رهانات مكلفة.
لا يسقط النظام حين يتغير اسمه،
ولا يقوم حين تتبدل شعاراته.
هو يسقط حين يفقد الناس ثقتهم ببعضهم،
ويقوم حين يستعيدون هذه الثقة، بهدوء، في تفاصيلهم اليومية.
ليس ما يُقال في الخطب هو ما يحسم الأمر،
بل ما يجري في الصمت، في السلوك، في الطريقة التي يعامل بها الناس بعضهم حين لا يراقبهم أحد.
هناك، تحديداً، حيث لا كاميرات ولا شعارات،
يتقرر شكل النظام الحقيقي.
فإما أن يكون مساحة عيش مشتركة،
أو عبئاً يتعايش معه الجميع على مضض.
وما عدا ذلك… مجرد كلام يمرّ.




