على عتبة عام جديد… العالم يقف مترقّباً

على عتبة عام جديد… العالم يقف مترقّباً
كتب رياض الفرطوسي
عندما تميل اللحظات الأخيرة من العام الماضي نحو الغروب، يتحول العالم إلى مكان محمول بين الحذر والترقب، بين الخوف والفضول، كأن البشرية بأسرها توقفت عن السير لحظة لتستمع إلى نبض المستقبل. كل وجه يلفّ في أفكاره أسئلة: ماذا سيحمل الغد؟ هل ستستمر الأمور على نسقها، أم سيأتي الجديد فجأة، ويهزّ ثباتنا؟
ليس المستقبل مسرحاً خاضعاً للتوقعات الدقيقة، بل شبكة من الأسباب والنتائج، مرصوفة بخيوط التغيير الخفية، التي تتشكل وتتداخل في صمت. هناك من يرى في التقدم آلة متسارعة، تتغذى على الاكتشافات والتقنيات، على الأفكار التي تكسر حدود الممكن. وهناك من يلاحظ، بين هذا وذاك، أن التحولات العميقة لا تظهر على السطح إلا بعد أن تكون قد خبأت نفسها في أعماق الحياة اليومية، في تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها أحد.
الترقب الذي يسيطر علينا في هذه اللحظة ليس مجرّد خوف أو شغف؛ إنه وعي بأن العالم يزداد تعقيداً. التاريخ لم يعد خطاً مستقيماً يمكن قياسه، ولا دائرة تتكرر؛ بل هو بحر متلاطم من احتمالات متشابكة، كل موجة فيه تحمل معنى وتأثيراً، وكل نسمة تغير اتجاه الريح.
في هذا الفضاء المضطرب، يبرز التوقع كفن، لا كعلم متصلب. هو محاولة لرسم خطوط معقولة على خريطة غير مكتملة، لتحديد الاتجاهات الممكنة، لا لتقديم إجابات نهائية. إنه البحث عن التوازن بين الرغبة في السيطرة على المستقبل، والاعتراف بأن هناك شيئاً أكبر، أسرع، وأعمق من أي قدرة بشرية على الفهم الكامل.
العام الجديد لا يعد بالخلاص ولا يهدد بالهلاك، لكنه يفتح نافذة للوعي: فرصة للنظر إلى ما يحدث بعين صافية، للتمييز بين ما هو متغير وما هو ثابت، بين ما يمكن توقعه وما يظل مستوراً في الظلال. إنه دعوة لصياغة خطواتنا بحذر، ومعرفة أن التغيير ليس لحظة عابرة، بل عملية مستمرة، تتكشف بصبر وإدراك.
وعلى هذه العتبة، يقف العالم مترقّباً، يحبس أنفاسه بين اللحظة التي انتهى فيها الماضي، وتلك التي سيولد فيها المستقبل. بين القلق والدهشة، بين الخوف والفضول، يكمن جمال الانتظار: لحظة دقيقة، لكنها ثرية بكل ما يمكن أن يكون، وكل ما لم نعرف بعد.




