سيميائيات الشخصيات وبرمجة الزمن في مجموعة (من منا في رأسي) للكاتب عبدالله جعيلان | حيدر الأديب

سيميائيات الشخصيات وبرمجة الزمن في مجموعة (من منا في رأسي) للكاتب عبدالله جعيلان | حيدر الأديب
ناقد | عراقي

أرى أن عبدالله جعيلان لا يكتب شخصيات تتحرك داخل زمن خارجي مستقر، وإنما يكتب رؤوسًا مأهولة، وعيونًا مطاردة، وذواتًا تتشقق تحت ضغط الرغبة والعار والهوس والذاكرة. عنوان المجموعة نفسه يفتح هذه العتبة: من منا في رأسي؟؛ أي إن الشخصية تقدم بوصفها حشدًا داخليًا، أو مسرحًا تتصارع فيه أصوات وصور وأدوار. تؤكد هذا السياق قصص كثيرة منذ البداية، فـ”فياغرا” تنطلق من فكرة تقفز إلى الرأس قبل أن تنقلب الحكاية إلى سيرة نفس مجروحة ومهووسة جنسيا، ثم تنتهي بعودة الزمن إلى لحظة هاتفية ليلية تكشف أن ما رأيناه ينأى عن سياقات الأحداث الكلاسيكية ويدخلنا في عوالم مختلفة منها تفريغ متوتر لذاكرة جريحة ورغبة مأزومة. فالعنوان «من منا في رأسي» يعمل كـ مخطط تأويلي كامل. والسؤال يتجه نحو الداخل، نحو فضاء مغلق هو الرأس.
وهذا يعني أن كل ما سنقرأه ليس تمثيلًا للعالم بقدر ما هو تمثيل لآليات اشتغال الوعي.
تمثل المجموعة نظامًا يشتغل على إنتاج الذات بوصفها تعددية داخلية، وعلى تفكيك الزمن بوصفه أثرًا نفسيًا لا مسارًا خارجيًا. وهي بهذا ليست حزمة أحداث تمرر في سياق شخصيات
أولا: سيميائيات الشخصيات في المجموعة
1- الشخصية بوصفها علامة انقسام
لا هوية ثابتة في شخصيات عبدالله جعيلان ، كل شخصياته تعمل كعلامة انشطار. في أكثر من قصة نجد الذات وهي تتحدث إلى نفسها، أو تُرى من داخل مرآة، أو تتقمص صورة متخيلة، أو تتحول إلى مشروع سردي داخل رأسها. في “قتل مشروع” يبحث البطل عن شخصية تقتل، ثم يبتلع سامسا ويفكر في راسكولنيكوف، ثم يصل إلى لحظة يصبح فيها هو نفسه المشروع والضحية والفاعل معًا. هنا الشخصية ليست شخصا، وإنما آلة استحضار لشخصيات أخرى وأقنعة أخرى ونماذج جاهزة من الثقافة والقراءة والهوس.
هذا يعني أن جعيلان يبني شخصياته على سيمياء التشظي:
• ذات تتكلم
• ذات تُراقب نفسها
• ذات تتقمص غيرها
• ذات تفشل في الحفاظ على حدها الشخصي
ومن ثم فالشخصية عنده علامة على فقدان المركز.
2- الشخصية بوصفها جسدًا مأزوما
في هذه المجموعة الجسد مستودع دلالي. الرأس، الجمجمة، اليد، الرقبة، الشفة، الساق، الجلد، الثدي، الحبل، الماء، السرير، الوسادة؛ كلها تتحول إلى وحدات دلالية تفضح الداخل. في “فياغرا” يتجاور الجسد الشهواني مع الجسد المعاقَب، ثم مع الجسد المدمن، فتخرج الشخصية من كونها فاعلا إلى كونها أثرًا لسلطة تربوية ومجتمعية ونفسية.
وفي “هروب من الجمجمة” يظهر الجسد مسرحا لوهم النبوة، فالإيماءات والركوع والقبلة والصفعة تصنع شبكة من العلامات تكشف كيف يتحول الوهم من فكرة إلى نظام سلوك كامل.
إذن الجسد عند جعيلان ليس وعاء الشخصية، وإنما لغة الشخصية.
3- الشخصية الثانوية ليست هامشًا
هذه المجموعة لا تمنح البطولة للشخصية المركزية وحدها. كثير من الشخصيات الثانوية تؤدي وظيفة حاسمة في إطلاق الدلالة:
• الأب في “فياغرا” ليس شخصية عابرة، لأنه يطبع وعي الابن بالعقاب والعار والازدواج المجتمعي.
• العجوز/الزوجة في “مضاجعة لوحة” مرآة لفشل البطل وانكساره اليومي.
• الابنة في “؟؟؟؟؟؟؟” تتحول من موضوع خطر إلى صوت أخلاقي ينسف البنية الذهنية للأب ويكشف عمق الانهيار الرمزي لكلمة “عار”.
• الصانع والزوجة والجارة في “هروب من الجمجمة” ليسوا هوامش، لأنهم الجماعة التي تمنح الوهم شرعيته مؤقتًا، ثم تفضحه عند الانكسار.
من هنا أقول إن جعيلان يكتب شخصياته وفق توزيع إشعاعي: الشخصية المركزية تشع، والشخصيات الثانوية تلتقط هذا الإشعاع وتعيده بصورة تشويه أو تثبيت أو فضح. لذلك فالثانوي عنده لا يحمل حبكة مستقلة غالبا، لكنه يحمل الوظيفة التأويلية التي تجعل الشخصية الرئيسة قابلة للقراءة.
4- أنماط الشخصيات
يمكن رد الشخصيات في المجموعة إلى أربعة أنماط كبرى:
أ. الشخصية المأهولة بالانكسار
مثل بطل “فياغرا” و”حبة سكر” و”البريد المفاجئ”. هذه شخصيات تحمل ماضيها كجرح حي، وتتحرك تحت وطأة ما لم يُحلّ.
ب. الشخصية المهووسة أو المنفصلة جزئيا عن الواقع
مثل “هروب من الجمجمة” و”قتل مشروع” و”مأدبة الدود”. هنا لا نقرأ جنونا طبيا بقدر ما نقرأ تضخما للداخل حتى يبتلع الخارج.
ج. الشخصية الواقعة تحت سلطة الخطاب الاجتماعي
أوضحها “؟؟؟؟؟؟؟” و”قبل أن أقتل طفلا” و”ولكن؟!”. المجتمع هنا يظهر كصوت محشور داخل الرأس.
د. الشخصية المجرّدة أو النموذجية
في “مدينة بلا أسماء” و”المتجول الأخير” و”نحن في الموت” يخفّ اللحم الاجتماعي للشخصية، وتبدو أقرب إلى موضع دلالي داخل فضاء مراقَب أو مدينة كابوسية.
ثانيا: برمجة الزمن في المجموعة
الخاصية الأشد وضوحا في هذه القصص أن الزمن لا يتحرك وفق خط مستقيم: بداية، وسط، نهاية. الزمن هنا مبرمج ليكشف التوتر الداخلي للشخصية. الكاتب لا يسأل: ماذا حدث أولًا؟ الكاتب يسأل: متى ينفجر المعنى؟
لذلك نجده كثيرًا ما يبدأ من لحظة متأخرة، أو من ذروة شعورية، ثم يعود، أو يقفز، أو يراوح. في “فياغرا” تبدأ القصة من مشهد كتابة/تفكير، ثم تنفتح على ماضٍ طفولي، ثم تنتقل إلى اعتياد إدماني، ثم تعود إلى لحظة الحاضر عبر الهاتف. هذه البرمجة الزمنية لا تنقل الحدث فقط، وإنما تصنع دلالة مهمة: الحاضر ملوث بالماضي، والماضي لم يمضِ أصلًا.
في أكثر قصص المجموعة، الترتيب الزمني الخارجي يُهمَل لصالح الزمن النفسي. الدقيقة الشعورية قد تتمدد لتبتلع سنوات، وسنوات كاملة قد تمر في جملة قصيرة.
في “؟؟؟؟؟؟؟” نحن أمام اعتراف يبدو حاضرا، لكنه في الحقيقة حقل ارتداد مستمر بين لحظة التحقيق، وصوت العار، وذكرى الفعل، وصوت الابنة، والخوف، والذنب. الزمن هنا لا يتقدم؛ إنه يدور حول عقدة.
وفي “قبل أن أقتل طفلاً” نبدأ من موقف صفّي، ثم نُقذف إلى مؤسسة علاجية/تقريرية، ثم إلى ذاكرة الطفولة، ثم إلى حاضر التشرد والجنون. هذا يعني أن زمن القصة مبرمج على هيئة ملف استرجاعي متشظٍ لا على هيئة حكاية مدرسية مكتملة.
هناك ثلاث صيغ زمنية تتكرر في المجموعة
أ) زمن الانفجار
وهو الزمن الذي يبدأ من لحظة مأزومة ثم يفتح الشروخ الخلفية. نجده في “فياغرا”، “قاتل غير مأجور”، “حبة سكر”.
هذا الزمن يوحي أن الشخصية وصلت إلى عتبة قصوى، وأن السرد ليس إلا تفكيكا لهذه اللحظة.
ب) زمن الدوران
وهو الزمن الذي لا يتقدم حقيقة، وإنما يدور حول فكرة واحدة أو هاجس واحد أو كلمة واحدة.
نجده في “هروب من الجمجمة” مع وهم النبوة، وفي “قتل مشروع” مع البحث عن شخصية قاتلة، وفي “مأدبة الدود” مع الرغبة في التحول إلى كائن آخر.
هذا الزمن يشي بأن الشخصية أسيرة برنامج داخلي يعيد إنتاج نفسه.
ج) زمن ما بعد النهاية
وهذا مهم في قصص مثل “قاتل غير مأجور” و”البريد المفاجئ” و”نحن في الموت”. الحدث المركزي يبدو وكأنه وقع، ثم تأتي القصة لتفكك ما بعده: التباس المعنى، انكشاف الذات، الشك في الواقع، أو الإقامة داخل منطقة بينية بين الحياة والموت والذاكرة.
برمجة الزمن عند جعيلان تؤدي وظيفة أخلاقية وسيميائية. إنها تفضح: زيف التبرير / عناد الذاكرة / تراكم العنف / هشاشة اللحظة الحاضرة
في “قاتل غير مأجور” مثلا يبدأ النص من خبر شبه مكتمل عن انتحار خامس، ثم يتكشف لاحقا أن الفاعل لم يكن قاتلا مباشرا بل مهندس فكرة. هنا الزمن مبرمج كي ينقل الشخصية من وهم البراءة الفكرية إلى حقيقة القتل، ثم إلى اعتراف الذات بنفسها ضحية أخيرة: “أنا” .
إنه زمن اعتراف متدرج، لا زمن حكاية بوليسية.
ثالثا: العلاقة بين الشخصيات والزمن
القوة الأوضح في المجموعة أن الشخصيات لا تُفهم خارج برمجة الزمن، والزمن لا يُقرأ خارج طبيعة الشخصية.
الشخصية المتشظية تحتاج زمنًا متقطعًا.
الشخصية المهووسة تحتاج زمنًا دائريًا.
الشخصية المذنبة تحتاج زمنًا ارتداديًا.
الشخصية الممحوة تحتاج زمنًا ضبابيًا أو لا تاريخيًا.
لهذا تظهر في المجموعة صيغ متكررة:
• زمن يخرج من الرأس
• زمن ينهار تحت وطأة الذاكرة
• زمن يتشوه بسبب الرغبة أو الذنب
• زمن مديني مراقَب يفقد فيه الفرد اسمه ومساره
وهذه الصيغة تبلغ ذروتها في “مدينة بلا أسماء” و”المتجول الأخير”، حيث يصير الزمن جزءا من سلطة النظام نفسه، لا إطارا محايدا للأحداث. هناك تختفي الأسماء، وتُبرمج الحركة، ويغدو السير مخالفة، والتذكر جريمة، والحقيقة قيدا جديدا. هنا لا يتعاطى جعيلان مع الشخصية بوصفها شخصا فرديا فقط، وإنما متجاوزا بها الى أثر مقاومة داخل زمن مُدار سلطويا.
رابعًا: الفضاء السيميائي العام للمجموعة
يمكن اختزال العالم السردي في أربع دوائر:
دائرة الجمجمة وتمثل الفضاء الداخلي (الوعي، الهوس، الانقسام)
دائرة الجسد وتمثل فضاء الرغبة والعقاب
دائرة المدينة وتمثل فضاء السلطة والمراقبة (مدينة بلا أسماء)
دائرة الذاكرة وتمثل فضاء الاستعادة والانهيار
خامسًا: البنية العميقة
المجموعة تقوم على ثلاث ثيمات كبرى:
العار كقوة اجتماعية ونفسية والرغبة كقوة انفلات والسلطة كقوة تشكيل
وهذه القوى تشتغل داخل: الشخصية / الزمن / اللغة
سادسا: ما الذي يميز جعيلان في هذا الباب؟
أرى أن تميزه لا يأتي من اختراع حبكات معقدة بقدر ما يأتي من ثلاث خصائص:
1- تحويل الرأس إلى مسرح سردي
المجموعة كلها تقريبا تُقرأ بوصفها سردًا يجري داخل الرأس: فكرة، هذيان، ذكرى، توهم، محاكمة ذات، رغبة، خوف. وهذا ينسجم تماما مع العنوان وعتبة “دخول” التي تُهيئ القارئ إلى فضاء الجمجمة والالتباس.
2- جعل الزمن وظيفة نفسية
الزمن لا يزين السرد، ولا يقوم بتأريخ الوقائع. الزمن يشتغل مثل جهاز كشف: كل قفزة زمنية تكشف شقًا في الشخصية.
3- منح الشخصية الثانوية طاقة فضح
الثانوي عنده يكشف أكثر مما يفعل. الأب، الزوجة، الجارة، البنت، العامل، الشرطي، الشاب المرافق في الباص، كلهم يشكلون مرايا كاشفة لا مجرد كتل بشرية مرافقة.
شخصيات من منا في رأسي ليست ذواتًا مكتملة، وإنما علامات اضطرابٍ تتكوّن داخل رأس محاصر، وزمنها ليس تعاقبًا كرونولوجيًا، وإنما برمجة نفسية تكشف كيف يتحول الماضي إلى قوة تشغيل للحاضر، وكيف يصير الهوس والعار والذاكرة أنظمة داخلية تعيد كتابة المصير.
ومن ثم فالدراسة السيميائية لهذه المجموعة تقود إلى تصورين أساسيين:
1. الشخصية عند جعيلان علامة انقسام أكثر من كونها هوية.
2. الزمن عنده جهاز توتر وتأويل أكثر من كونه ترتيبًا للأحداث.
وهذا يجعل المجموعة أقرب إلى سرد الوعي المأزوم منه إلى القصة التقليدية التي تسير بثقة من حدث إلى نتيجة.




