إِنَّهُ مُفْتَرِق طَرِيق.. لَا أَكْثَر | د. عبد الرحيم الشويلي

إِنَّهُ مُفْتَرِق طَرِيق.. لَا أَكْثَر | د. عبد الرحيم الشويلي
قاص | عراقي
وَقَفَ عِنْدَ مُفْتَرَقٍ لَا يَظْهَر عَلَى الْخَرَائِط. لَا لَافِتَات، لَا أَصْوَات، وَلَا حَتَّى شَكٍّ يُقُودُهُ إِلَى الْحَذَر. طَرِيقَان…أَوْ هَكَذَا بَدَا. الأَوَّل، وَاسِع، مَأْلُوف، تَسِيرُ فِيهِ الْوُجُوه بِثِقَةٍ عَمِيَاء،
كَأَنَّ أَحَدًا سَبَقَهُمْ وَوَعَدَهُمْ بِنِهَايَةٍ مُرِيحَة. الثَّانِي، ضَيِّق، صَامِت، يَشْبِه فِكْرَةً خَطَرَت فِي رَأْسِ مَجْنُون… وَلَمْ تَكْمُل.
تَرَدَّد. لَمْ يَكُنْ يَخَافُ الْاخْتِيَار، بَلْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْاخْتِيَار… وَهْمًا. نَظَر طَوِيلًا، حَتَّى تَعِبَ النَّظَر نَفْسُهُ. ثُمَّ قَالَ، دُون أَنْ يَسْمَع صَوْتَهُ:
“سَأَكُون أَنَا.”
وَخَطَا. مُنْذ تِلْكَ اللَّحْظَة… بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ يَخْتَلّ. الطَّرِيق لَمْ يَكُنْ يَمْتَدّ، بَلْ كَانَ يَنْكَمِشُ خَلْفَهُ. الأشْجَار لَمْ تَكُنْ تَنْمُو، بَلْ كَانَتْ تَقْتَرِب. الْهَوَاء نَفْسُهُ… صَارَ أَثْقَل، كَأَنَّهُ يُغْلِقُ عَلَيْهِ مِنَ الدَّاخِل. أَرَادَ أَنْ يَعُود. الْتَفَت فَلَمْ يَجِدْ بَدَايَة. أَسْرَع. ثُمَّ رَكِض. ثُمَّ تَوَقَّفَ فَجْأَة… حِينَ أَدْرَكَ أَنَّ الرَّكْض لَا يُغَيِّر شَيْئًا. شَيْئًا وَاحِدًا فَقَط كَانَ يَتَغَيَّر:
هُوَ بَعْدَ زَمَنٍ لَا يُقَاس… وَصَل أَوْ هَكَذَا ظَنّ. وَجَدَ الْمُفْتَرَق مِنْ جَدِيد. نَفْسُ الصَّمْت، نَفْسُ الْفَرَاغ، نَفْسُ الطَّرِيقَيْن…
لَكِنْ هَذِهِ الْمَرَّة، كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ إِضَافِيّ. أَثَر أَقْدَام.
تَقَدَّمَ بِبُطْء… وَانْحَنَى. تَأَمَّلَ الْأَثَر طَوِيلًا.
ثُمَّ ابْتَسَم — ابْتِسَامَةٌ مَكْسُورَة لِأَنَّهُ تَعَرَّف عَلَيْهِ.
كَانَ أَثَرَهُ. لَكِن… كَانَ يَتَّجِه نَحْوَ الْمُفْتَرَق، لَا بَعِيدًا عَنْهُ.
تَجَمَّد. رَفَعَ رَأْسَهُ بِبُطْء، كَأَنَّهُ يَخْشَى الْحَقِيقَة. وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي فَهِمَ فِيهَا… اخْتَفَى. وَالآن إِنْ شَعَرْتَ أَنَّكَ أَمَام طَرِيقَيْن، فَانْتَبِه:
أَثَرُكَ… قَدْ يُسْبِقُكَ إِلَى الْعَوْدَة..!!




