آخر الأخبار
ألثقافة والفن

تخطيط قلب عائلي | معاني سليمان 

تخطيط قلب عائلي | معاني سليمان 

قاصة | سورية

 

كان يوماً اعتيادياً مرهقاً بعد مناوبة استمرت اثنتين وسبعين ساعةً، حاولت الاسترخاء قليلاً وأنا أتخيل العودة إلى فراشي الدافئ ومشاهدة التلفاز، عندما رنَّ جهاز الاستدعاء معلناً حالة طارئة.

أسرعت الخطى إلى ممر الطوارئ، كان المريضُ رجلاً سبعينيًّا، ذا وجهٍ شاحبٍ، عيناه شاخصتان إلى السماء، خائر القوى، ملامح الفزع والصدمة ارتسمت في وجهه، أنفاسه مضطربة، دقات قلبه غير منتظمة.

ما إن لمحت نظراته التائهة الخائفة، حتى غمرني إحساس بالألم والحزن لا طاقة لي به، تلك النظرات حررت ذكريات دفنتها عميقاً، لحظتها شعرت أن كل ما أتمناه الآن هو الابتعاد من هنا.

أدرت ظهري مبتعدة عن المكان، وسط ذهول الجميع.

نادتني الممرضة: ـ دكتورة لين؟

أخذتُ نفساً عميقاً، هدأتُ أعصابي، وعدتُ إليهم.

سألت: ـ ما الحالة؟

أجاب المسعف: ـ ضيق تنفس، ألم في الصدر، وقع على الأرض، ولم يستطع الوقوف ثانية، ولا أن يحرك أطرافه.

وضعت يدي لأجس نبضه، كان النبض ضعيفاً متقطعاً.

ـ أريد حالاً تخطيطًا للقلب والدماغ، وعينة دم، وتعليق محاليل، مع إعطائه دواءً مميعاً للدم.

اقتربت منه، سألته بتردد: ـ ما اسمك يا سيدي؟

حاول التحدث بصعوبة، تابعت بنظراتي مشجعة له على مواصلة الكلام، أخيراً أجاب بلسان ثقيل، وبنبرة قادمة من كهف عميق: ـ حسان.

مزقني صوته، شعرت بالدنيا تدور أمامي.

ـ أيتها الطبيبة، إننا نفقده!!

عدت إلى رشدي.

ـ جهاز الصدمات بسرعة!

كان جسده ينتفض مع الصدمة التي يتلقاها، وعيناي مثبتتان على جهاز النبض.

عد إلينا… أرجوك.

ارتسمت على الجهاز علامات منتظمة، وعاد نبضه طبيعياً.

قلت: ـ جهزوا غرفة العمليات حالاً، وأبلغوا طبيب القلب المناوب بذلك.

بعد عدة ساعات نجحت العملية، وتمكن الفريق الطبي من إزالة الجلطة التي تعيق مجرى الشريان.

أبلغتني الممرضة سارة بالخبر، شعرتُ بقلبي يخفق بقوة، احتضنتها وبكيتْ.

استغربت سارة تصرفي، لكنها حاولت تهدئتي: ـ لا بأس، لقد لاحظتُ أنك تأثرتِ كثيراً بحالته يا لين، أتفهمك يا عزيزتي.

ثم أكملت: ـ هل تعرفين يا لين من هذا المريض؟ إنه حسان السعدي صاحب أفضل معمل سجاد في البلاد.

أجبت وأنا أمسح دموعي: ـ أعلم… إنه صديق قديم.

عادت بي الذاكرة عندما رأيته مرةً يمسك يد ابنته وهما خارجان من محل الألعاب، كانت ترتدي معطفاً جميلاً، وتحمل بيدها لعبة كبيرة تعادل طولها.

توقفتْ عندما رأتني، وأشارتْ إلى والدها أن يشتري لها من الحلوى التي أبيعها للمارة أثناء تجوالهم.

وافقها بلا تردد.

اقتربا مني، شعرتُ بضربات قلبي تزدادُ اضطراباً.

كانت يدها تنتقل بين أصناف الحلوى البسيطة التي أحملها في الصندوق، أخيراً اختارت تفاحة مزينة بالكراميل.

لم ينظر والدها إلى وجهي حتى، وضع النقود فوق صندوق الحلوى، وانصرفا.

نبهتني الممرضة إلى أن هناك زائراً يريد مقابلتي: ـ ابنه.

كان الشاب وسيماً، أجزم بأنه نسخة من والده في شبابه، يرتدي بِزّةً أنيقة، عيناه فارغتان تعكسان خواء روحه.

سألني ببرود: ـ أنتِ الطبيبة المسؤولة عن حالته؟ بما أنه نجا، هل تأذنين لنا في أخذه إلى المنزل؟

قلت: ـ إنه تحت المراقبة، حالته لم تستقر بعد، ويستحيل إخراجه الآن.

قاطعني: ـ لن أدفع المزيد، أعرف تماماً جشعكم أنتم أصحاب المستشفيات الخاصة، ربما سآخذه إلى مستشفى حكومي لو لزم الأمر.

قاطعنا رنين هاتفه، نظر في الشاشة ثم قال: ـ إنها أختي.

فتح مكالمة فيديو، وأخذا يتحدثان.

تذكرتها فور أن رأيتها، لم تتغير ملامح الفتاة كثيراً، نفس نظرة الغرور واللامبالاة التي كانت تسكنها.

قالت الفتاة على الخط الآخر: ـ لقد اختار أصعب وقت ليموت، إنه أسبوع الموضة في باريس، ولن أفوته أبداً.

رد الشاب بابتسامة: ـ اطمئني، إنه بخير.

ـ حقاً؟ خبر جيد، وداعاً.

أغلق هاتفه، وعاد موجهاً حديثه إلي: ـ ها، ماذا قلتِ؟

أجبت بحزم: ـ لا أستطيع السماح لك بإخراجه، إنه الآن يرقد في قسم العناية القلبية، وموصولٌ بأجهزة مراقبة.

ربما من الممكن بعد أن تستقر حالته، سوف آمر بنقله إلى غرفة مشتركة مع مرضى آخرين، ولا أستطيع فعل أكثر من ذلك، وأجازف بتعريض حياة المريض للخطر.

قال بيأس: ـ حسناً، كما تريدين، لكن حاولي أن تقتصدي في التكاليف قدر الإمكان، تذكري أنني سأراجع كل المدفوعات، هذا رقمي إذا استجد شيء.

وناولني بطاقته.

بعد فترة قصيرة حضرت زوجته إلى مكتبي، بكامل أناقتها وزينتها، وبرائحة عطرها النفاذ التي ملأت أروقة المستشفى.

سألت بهدوء: ـ أخبريني أيتها الطبيبة، ما حالتُه؟ هل هو بخير؟

أجبت: ـ إنه بخير الآن…

وقبل أن أشرح حالته أكثر، رفعت سماعة هاتفها: ـ أما زلتَ بالخارج؟ أدِر المحرك، أنا قادمة.

وقفت وارتدت نظارتها الشمسية، ثم قالت لي: ـ لا أستطيع المكوث، لا أطيق رائحة المستشفيات ورؤية المرضى، إلى اللقاء، لقد اختل جدولي ومواعيدي بسبب ما حدث.

رن الهاتف ثانية.

تغيرت نبرة صوتها وقالت بشيء من الدراما: ـ آه، هل سمعتِ بما حدث يا جودي؟ أوافقكِ يا صديقتي، أحتاج إلى أن أريح أعصابي قليلاً، لنسهر الليلة معاً، معكِ أنتِ والصديقات الرائعات، الحمد لله على وجودكن هنا لتساعدنني على اجتياز المحنة!!

غادرتْ المكان وسط ذهولي وتعجبي.

بعد أيام تحسنت حالته، واستعاد حيويته، وعادت الحياة إلى وجهه الشاحب.

دخلت إلى غرفته لتفقده، فرأيته يحدق طويلاً إلى النافذة.

بادرني: ـ لم يحضر أحد منهم للاطمئنان علي.

لم أنقذتني؟ لا أريد العودة لهم، ولا هم يريدونني، أنا مجرد بنك متنقل لسحب الأموال، لم يشعروا بي وبحبي أبداً، مع أني لم أبخل عليهم بوقتي ولا مالي.

قلت له بنبرة هادئة: ـ لا تقل هذا، إنهم يحبونك كثيراً، أنا من منع الزيارة عنك لأنك تحتاج إلى الراحة، وهم تفهموا الأمر خوفاً على صحتك.

ـ حرصاً على صحتي؟! رد بتهكم.

ـ إن ولدي هو المتسبب في ما حدث لي، بعد أن انهارت أعصابي وأنا أتحدث إليه.

تخيلي، يريد أن يغلق مصنع السجاد اليدوي الذي أفنيت عمري فيه، وهو ينافس السجاد العالمي بإتقانه وجودته، كل قطعة ننتجها تعد لوحة فنية.

يريد أن يهدم كل هذا، ويحوله إلى مصنع لإنتاج البلاستيك.

وما أعلمُني أنا بهذه الأمور؟ هو يريد ربحاً سريعاً، يقول لي: الناس تريد شيئاً رخيصاً مستهلكاً، ما عاد أحد يبحث عن قطع تراثية.

أيدته أمه في فكرته، وقالت لي إن أفكاري أكل عليها الدهر وشرب، ويجب أن يستلم ابني مكاني.

تخيلي، يريدون مني أن أجلس حبيس الجدران، ويحكموا علي بالموت البطيء.

تجادلت معهما وعلت أصواتنا، ثم شعرت بضيق في النفس، وغبت عن الوعي.

ربتُّ على كتفه وقلت: ـ لا بأس عليك، أريدك أن تنسى كل شيء، وتهتم بصحتك، لن أسمح لأحد بأخذك من هنا حتى تسترد عافيتك تماماً.

كنت أمشي معه يومياً في حديقة المستشفى، نتنزه ونتحدث، أعتني به وأحادثه، وأتحقق من مواعيد أدويته، حتى استرد صحته، وحان موعد عودته إلى المنزل.

قبل ذهابه أمسك بكفي، ووضعها بين كفيه، ارتجف قلبي حينها.

نظر إلي وقال بعين دامعة: ـ دكتورة لين، لا أعرف كيف أشكركِ، لقد عوضني الله بكِ عن أولادي، كم هو محظوظ بكِ والدكِ، إن لديه ابنة حنونة رائعة.

قلت بأسى: ـ لقد فقدته… منذ زمن.

تركني والدي أنا وأمي عندما كنت طفلة، أحب امرأة وتزوجها، وهجرنا.

واصلتُ الحديث: ـ تأزمت الأمور أكثر، صاحب المنزل هدد بطردنا إن لم ندفع الإيجار، عمل أمي في مصنع الخياطة لم يكفِ لسد مصاريفنا، أصبحتُ أبيع الحلوى للمارة، أتنقل بينهم أعرض عليهم بضاعتي، أستعطفهم وأترجاهم أحياناً.

التقيته مرة في الشارع… أبي.

كنت أتمنى أن أركض نحوه وأحتمي بحضنه، لكنه لم يتعرف إلي.

كان يمسك بيد ابنته من زوجته الأخرى، يتحادثان ويضحكان.

أشارت إلي، مشيا باتجاهي، اختارت حلوى التفاح وهي تبتسم له، لم ينظر في عينيّ حتى، لم يشعر بقلبي الذي ازدادت دقاته بقوة شوقاً إليه.

ألقى بالنقود في العلبة، وأكملا طريقهما وسط انكساري وخيبتي.

سالت دموع الرجل وهو يسمع القصة.

نظرتُ في عينيه وقلت له: ـ لماذا يا أبي؟ ما ذنبي أنا؟ وما ذنب أمي؟

منذ تلك الحادثة اعتبرتك ميتاً بالنسبة لي، وعاهدت نفسي أن أنساك نهائياً.

لكن عندما رأيتك ممدداً بين الحياة والموت، لم أحتمل، أردتُ أن أدير ظهري وأهرب، رؤيتك مريضاً مزقت قلبي.

أنت أبي حبيبي.

عدتُ لحظتها تلك الطفلة التي تتمنى أن ترتمي بين أحضانك، لتصرخ: ـ سامحتك… عد يا أبي، ولا تفجعني بموتك مرتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى