آخر الأخبار
ألمقالات

فضيحة الوضوح

فضيحة الوضوح

كتب رياض الفرطوسي

يسكن الكاتب العربي في “بيت الطاعة” الاجتماعي، حيث الجدران لها آذان، والصدق خطيئة لا تُغتفر. في جغرافيا محكومة بالسرية، يُنظر إلى البوح كفعل تعرٍّ مخجل، بينما تُقدس الأقنعة التي تواري خلفها العاهات والجرائم. إنها مفارقة مذهلة؛ أن تفتح الشاشات ذراعيها لقاتل يشرح ببرود تفاصيل نصله، أو لسياسي فاسد يهدد بهدم المعبد فوق رؤوس الجميع، في حين يُرجم الأديب إذا ما قرر أن يسكب حياته “النظيفة” فوق الورق بلغة عفوية. نحن نعيش في مجتمعات تُدمن التستر حتى تتعفن جروحها تحت الضمادات، ثم نتساءل بدهشة حين ينفجر القيح فجأة في وجوهنا. إن هذه الحالة تجد تفسيرها في سوسيولوجيا الصمت عند “مدرسة فرانكفورت”، حيث يُلوث المجال العام وتتحول “ثقافة الحياء القمعي” إلى جهاز رقابة يمنع الشفافية ليحافظ على تماسك زائف، وهو ما يفسره “جاك لاكان” بالخوف من تحطم صورة “الأنا المثالية” أمام المجتمع، ذلك “الآخر الكبير” الذي يغفر الجريمة المنظمة لكنه لا يغفر الفضيحة الأخلاقية الناتجة عن الصدق.

في هذه المساحة الضيقة، يتحول الكاتب الذي يجرؤ على الشفافية إلى “طريد” في وطنه، تماماً كما حدث مع “جان جينيه” الذي جعل من قاع المجتمع وسيرته المنبوذة متناً أدبياً، فواجه لعنة المجتمع قبل أن ينصفه الفلاسفة. إن اختيار الوضوح هو دخول في معركة مفتوحة يتحول فيها الجميع ( قدرة قادر) إلى كهنة ونساك يرمون الكاتب بذرائع أخلاقية واهية. بينما في الضفة الأخرى، يُعتبر الاعتراف فعلاً تطهيراً أرسطياً، حيث تنظر مراكز الأبحاث النفسية في “جامعة فيينا” إلى البوح كآلية لغسل الروح، كما فعل “جان جاك روسو” في “اعترافاته” التي أسست لمفهوم الفردانية الحديثة. لقد أدرك هؤلاء أن الكاتب إذا لم يروِ قصته بنفسه، سيتطوع الآخرون لروايتها بألسنة حاقدة، وهو ما دفع “هنري ميللر” لإطلاق صرخته الشهيرة بأن العاهات الاجتماعية لا تُعالج إلا بالتجاهل والاحتقار، ليمضي في تدوين سيرته التي منعت عقوداً بتهمة “الخدش”، قبل أن تصبح كلاسيكية عالمية تدرس في “إرادة المعرفة” عند “ميشيل فوكو”.

خلف بريق الجوائز العالمية، نجد حيوات ضجت بالألم والكفاح المرير؛ فالحقيقة غالباً ما تُكتب بمداد الجوع، كما حدث مع “كنوت هامسون” الذي سجل في روايته “الجوع” سيرة الفقر المدقع الذي ينهش الكرامة، أو “إدوار لوفيه” الذي انتحر بعد أيام من تسليم مخطوطه الذي عرى فيه ذاته تماماً. إن لحظة البوح الأدبي تشبه لحظة الولادة التي وصفها نقاد “مدرسة السرديات الحديثة” بـ “الزمن النفسي” الذي يسبق زمن الكتابة بسنوات، حيث تختمر الفكرة في صمت العزلة قبل أن تنفجر في العبارة الأولى. هذه العزلة التي تحتاج إلى “رفقة بلا شروط”، تشبه تلك التي عاشها “فيودور دوستويفسكي” وهو يكتب تحت مقصلة الديون والصرع، تسنده يدٌ تبيع مقتنياتها البسيطة ليشتري هو حيزاً من الوقت ينهي فيه “الإخوة كارامازوف”. إن السيرة الذاتية حين تُكتب بشجاعة، لا تعود مجرد مذكرات، بل تصبح “ثورة أنطولوجية” تهز أركان المجتمعات التي تقتات على الأسرار، وتكشف أن الوضوح هو الفضيحة الوحيدة التي تستحق أن تُروى علانية في وجه الظلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى