آخر الأخبار
ألثقافة والفن

تحوّلات القصيدة ورهانات النقد العربي | علاء العلاف

تحوّلات القصيدة ورهانات النقد العربي | علاء العلاف

كاتب وباحث | عراقي

 

يثير سؤال المسؤولية النقدية في الساحة الأدبية العربية اليوم إشكالية مركّبة، تتصل بطبيعة العلاقة بين الإبداع والنقد، وحدود التأثير المتبادل بينهما، فهل ما زال النقد قادرًا على مواكبة التحولات العميقة التي تشهدها القصيدة العربية، أم أنه بات يسير في أثرها متأخرًا ويلتقط إشاراتها بعد اكتمال تشكّلها؟ لا يمكن النظر إلى الشعر العربي بوصفه كيانًا ثابتًا أو منجزًا مكتملًا؛ إذ إنه في جوهره، مشروع مفتوح على التحول والتجدد، فقد شهد، بنْية القصيدة العربية خلال العقود الأخيرة انزياحات نوعية طالت لغتها وصورها وطرائق تشكّلها الداخلي، ولم يعد النص الشعري محكومًا بالأنماط الكلاسيكية الصارمة، بل انفتح على أفق حداثيّ رحب أتاح له إعادة تشكيل أدواته والتعبير عن رؤى أكثر تعقيدًا وعمقًا حتى القصيدة العمودية، التي طالما ارتبطت بالثبات الشكلي أخذت تستعيد حيويتها عبر اشتغالها على هارمونية الصورة وتكثيف الدلالة، بما يمنحها أفقًا جماليًا متجددًا، في المقابل، لم يكن النقد بمنأى عن هذه التحولات، غير أن إيقاعه ظل في كثير من الأحيان أبطأ من إيقاع الإبداع، فحين يتوهج المشهد الشعري بنصوص لامعة ومؤثرة، يغدو هذا التوهّج بمثابة قوة دافعة تحفّز الخطاب النقدي وتدفعه إلى إعادة النظر في أدواته ومقارباته، أما في فترات خفوت التجربة الإبداعية، فإن النقد نفسه يتعرض لحالة من التراجع أو التكرار، وكأنه يفقد موضوعه الحيوي الذي يستمد منه شرعيته، ومن هنا، تبدو العلاقة بين الشعر والنقد علاقة جدلية، لا تقوم على التبعية المطلقة لأحدهما، بل على تفاعل مستمر يعيد تشكيل الطرفين معًا، فالنقد المسؤول ليس مجرد صدى للإبداع، بل هو وعيٌ موازٍ له، يسعى إلى تفكيك بنْياته وكشف أبعاده الجمالية والمعرفية، دون أن يقع في أسر الأحكام الجاهزة أو الانطباعات السطحية، وإذا انتقلنا إلى التجربة… العراقية، وخاصة حركة الستينات، فإننا نكون إزاء لحظة مفصلية في تاريخ الشعر العربي الحديث، فقد أسهم هذا الجيل في إحداث قطيعة نسبية مع الأشكال التقليدية، وفتح أفق القصيدة على تجارب حداثية أكثر جرأة وعمقًا، غير أن اختزال هذه الحركة في اسم واحد أو تجربة بعينها يظل مجحفًا بحقها؛ إذ إن خصوصيتها تكمن في تعدّد أصواتها وتباين رؤاها، وهو ما يمنحها ثراءها الحقيقي، لقد كان شعراء تلك المرحلة أبناء تحولات كبرى، فانعكس ذلك على نصوصهم التي اتسمت بالتجريب والمغامرة وبتوسيع حدود اللغة الشعرية، ومن ثَمَّ، فإن قراءة هذه التجربة تقتضي الانفتاح على تعددها، لا البحث عن مركز أحادي يحتكر تمثيلها أو تفسيرها…

في المحصلة، يمكن القول إن مستقبل الشعر العربي يظل رهينًا بقدرته على مواصلة هذا الانفتاح الإبداعي، وبمدى قدرة النقد على استعادة دوره بوصفه شريكًا فاعلًا في إنتاج المعنى، لا مجرد تابع له، فحين يلتقي إبداع متجدد بنقد واعٍ ومسؤول، تتشكل ملامح مشهد ثقافي قادر على إنتاج قيمة جمالية حقيقية، تتجاوز الاستهلاك العابر إلى أفق أكثر رسوخًا وعمقًا، يبقى الشعر، في النهاية، فعلًا حيًّا يتغذّى من تحولات الواقع وقلق الإنسان، ويعيد تشكيلهما في لغة قادرة على الدهشة، وفي هذا المعنى، تظل أرض العراق، بما تختزنه من تاريخ شعري عريق، فضاءً خصبًا لولادة أصوات جديدة، تمتد بجذورها في عمق التجربة، وترنو بأغصانها نحو أفق لا ينفد من الاحتمالات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى