الرواية والبلاغة والحداثة | داود سلمان الشويلي

الرواية والبلاغة والحداثة | داود سلمان الشويلي
ناقد | عراقي
كتب الدكتور شوقي ضيف في نهاية مقدمة كتابه (البلاغة تطور وتاريخ) (1) ما يلي: ((ينبغي في تشكيل بلاغتنا الحديثة أن نعني ببيان الأساليب الأدبية المتفاوتة وفنون الأدب المختلفة حتى نلائم بين بلاغتنا وأدبنا الحديث وأساليبه وفنونه، مع الحرص على الانتفاع بتراث أسلافنا البلاغي القيم الذي أودعوا فيه خصائص لغتنا الأدبية ومقوماتها البيانية والبلاغية)).
عندما يريد كاتب النص الأدبي أن يخرج نصه تاما ابداعيا فعلى النص أن يكون متماشيا، والبلاغة الأدبية، كما طالب بها د. ضيف، وهي بلاغة حديثة تلائم أدبنا الحديث.
ان امتثال النص إلى اللغة العربية، وبلاغتها التي كتبت عنها الدراسات الكثيرة قديما، وحديثا، هو مطلب النص الأدبي ضمن حدود جنسه. ولما كان هذا النص يكتب بلغة عربية سليمة من أي شائبه، فعليه أن يخضع لقوانين، وأسس، البلاغة العربية التي وضعت سابقا بحدود ملائمته لها، وهذا الأمر فيه صعوبة كبيرة بالنسبة للرواية العربية. فكيف علينا أن نخضع هذا النص الأدبي لتلك القوانين، والأسس، التي تقنن هذه البلاغة، وفي الوقت نفسه يكون النص الأدبي تاما إبداعيا؟
هذا ما كان قد طلبه د. شوقي ضيف بكلامه في أوّل الدراسة.
البلاغة في أبسط تعريف لها هي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع ملاءمته للمقام، والأشخاص المخاطبين، وهي فن إيصال المعنى الدقيق إلى السامع بأسلوب مؤثر، وجميل.
وهي من الفعل بلغ، حيث تهدف إلى إيصال المعنى بوضوح، وجمال، إلى السامع بأحسن صورة.
ومن الأساليب البلاغية التي هي أدوات لغوية، وفنية، تستخدم لتعزيز المعنى، وإضفاء الجمالية، وإقناع المتلقي.. إذ تنقسم هذه الأساليب إلى علوم معروفة كعلم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع. ويُعرَّف علم المعاني بأنه: الاصول التي يكون فيها الكلام مطابقا لمقتضى الحال، أي صياغة الجملة لتناسب سياق الموقف، والمخاطب، بدقة. ويهدف إلى تحقيق البلاغة عبر الإيجاز. من خلال:
–الإيجاز: تقليل الألفاظ مع كثرة المعاني (إيجاز، قصر، حذف).
–الإطناب: زيادة اللفظ على المعنى لفائدة (مثل التكرار أو التذييل).
–الأساليب الإنشائية: مثل (الاستفهام، الأمر، النهي، والنداء).
أما علم البيان فيُعرف بأنه: القواعد التي يُعرف بها إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة عليه، مثل:
–التشبيه: عقد مماثلة بين شيئين (الرجل كالأسد في الشجاعة).
–الاستعارة: تشبيه حذف أحد طرفيه (زأر الجندي في المعركة).
–الكناية: لفظ غير صريح يدل على معنى ملازم له (فلان يده نظيفة).
ويهدف إلى إيصال الفكرة بأكثر من صورة بيانية متفاوتة الوضوح لتتناسب مع السياق.
أما علم البديع فيعني بتحسين الكلام، وتزيينه، سواءً كان لفظياً أو كان معنوياً، بعد رعاية المطابقة لمقتضى الحال، ووضوح الدلالة، ويُقسم إلى محسنات معنوية، مثل:
–الطباق: الجمع بين الكلمة، وضدها.
–المقابلة: جملة عكس جملة.
–الجناس: تشابه في اللفظ، واختلاف في المعنى .
–السجع: توافق الفواصل في الحرف الأخير في النثر.
والمجاز، والإيحاء، والانزياح، هذه الثلاثية إضافة للمحسنات البديعية الأخرى، وغيرها من أساليب علم البيان، وعلم المعاني، تقف بالضد من الاسترسال بالأبعاد المبدعة للنص الروائي، إذا لم نقل تمنحه دفقة قوية لكي ينطلق نحو فضاءات إبداعية تخرجه من كونه نصا اخباريا إلى نص روائي بإمتياز.
إذن، البلاغة بمفهومها، ومفاهيم فنونها الثلاثة، هي للشعر، والخطابة، أقرب منها للرواية، إلا ان الرواية، وكتّابها، هما عربيان، والبلاغة هذه هي مختصة بعلم اللغة العربية فالمهتمون بالرواية سيدرسونها لمعرفة بلاغتها، وتنفيذ مراميها، ولكن بخفية، إى انها تصدر من كتاب واعين لما يفعلون.
قبل كل شيء علينا أن نفهم إن العلاقة بين الرواية، والبلاغة شديدة الإرتباك ذلك لأن للرواية عناصر كثيرة تقف عصية في الكثير من الأحيان أمام علم بلاغة النص الأدبي، مثل: الاطناب في السرد، وفي الحوار، وفي الوصف، كذلك، وهذه العناصر مهمة في الرواية، فكيف تعاملت الرواية، وفن البلاغة، معهما سوية؟
–عنصر السرد:
السرد في الرواية هو الأسلوب الفني، والتقنية التي يتبعها الكاتب لنقل الأحداث، ورسم الشخصيات، وتشكيل الزمان، والمكان، بهدف تقديم حكاية تثير اهتمام القارئ.
يشمل السرد عناصر أساسيه هي: السارد. القصة. المتلقي.
ويستخدم أزمنة، ورؤى، لنسج النص الروائي
لما كانت حمولة السرد بهذه الكثرة فحتما انه سيصطدم بالبلاغة إصطداما يجعلها تغادر النص الروائي دون أن تحتويه، خاصة إذا كان السرد هذا يسترسل، ويطنب، ويبالغ في التطويل، كثيرا في النص الروائي.
–الحوار:
الحوار هو تبادل حديث، يحمل أفكارا، ومشاعرا، بين شخصين أو أكثر، ويُعد وسيلة أساسية للتواصل، ونقل المعرفة، وبناء العلاقات الاجتماعية.
يهدف الحوار إلى الوصول للحقيقة، من خلال صقل الشخصية، وتنمية التفكير العلمي، ويتميز بوجود طرفين، وموضوع للنقاش.
الحوار هذا، على الرغم من انه يطيل في النص الروائي، فإنه ضروري جدا لنص الرواية، وعليه أن يكون ملتزما ببعض فنون البلاغة لكي يتم إيصال المعنى بوضوح، وجمال، إلى السامع بأحسن صورة.
والكثير من نصوص رواياتنا تطنب، وتطيل، وتسهب، فيه، فيكون مثل الحشو المضر بالنص. عليه أن يملك موضوعا، وهدفا يصل له.
–الوصف:
هو فن لغوي يُستخدم لتصوير المشاهد، أو الأشخاص، أو المشاعر، بدقة عبر الكلمات، محوّلاً الموصوف إلى صورة ذهنية للمتلقي، ويعتمد على الحواس لنقل التفاصيل.
ومن أنواعه: الوصف المادي الخارجي، والوصف الوجداني المعنوي.
الوصف هذا يستغله كثيرا مبدع النص الروائي فيذهب خياله إلى عوالم كثيرة تخرجه في بعض الأحيان من جادة الصواب.
–خيارات الرواية:
1-ان السرد، والحوار، والوصف، تكون من العوامل الرئيسية لاخراج النص الروائي من عالم البلاغة بشرطها، وشروطها.
إذن: النص الروائي خارج قياسات البلاغة في حدود شرطها، وشروطها، المرسومة له، وهذا لا يعدم وجود نصوص روائية من حيث الحجم غير مقبولة من قبل النقاد، والدارسين، والمهتمين، وقد تناولت هذا الموضوع في دراسة لي بعنوان (الكبير والصغير في حجم الرواية) ونشرت في جريدة “الحقيقة” ع/2001 بتاريخ 18/ 7/2021، تحدثت فيها عن الروايات التي يكون حجمها غير متوافق، وموضوعها.
وكذلك، فان هذا الكلام لا يعني ان الروايات التي فيها عناصر السرد لا تتماثل، على الأقل من النظرة الأولى، مع أسس، وقوانين، البلاغة الحديثة، مثل روايات بعض الروائيين، فهي روايات تندرج ضمن الروايات الابداعية الناضجة بل انها تبقى روايات غير ابداعية، وهذا ما ناقشته لنتاج الروائي حازم مراد في كتابي (الجنس في الرواية العراقية) الصادر من دار المتن علم 2018، في الفصل الثالث المعنون (الجنس في روايات حازم مراد – أزمة في التفكير وأزمة في التعبير ).
2– ولما كانت البلاغة هي: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع ملاءمته للمقام، والأشخاص المخاطبين، فهذا يعني اقتراب هذا الجنس الأدبي من البلاغة من خلال:
–مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وهذا يعني ان أي زيادة في عناصر الرواية لا فائدة منه يكون بالضد من البلاغة المطلوبة، ولهذا نجد ان أغلب الروايات قد كتبت حسب ما تتطلبه عناصرها من دقة، وأمانة، للوصول للمعنى المطلوب.
–ملاءمة الكلام للمقام، وهذا يعني اتباع الكلام، وبصورة أدق اللغة الروائية، للمقام الذي تقدمه تلك الرواية.
–ملاءمة الكلام للأشخاص المخاطبين، أي ان لغة الرواية تكون مفهومة جدا عند المتلقين.
لما كانت البلاغة متلائمة لمقتضى حال الجنس الروائي، والأشخاص المتلقين كذلك، فهذا يعني ان المعنى، والدلالات، قد وصلت لمبتغاها، أي إلى الهدف الذي تريد أن تصل اليه هذا الرواية. وعند هذا يمكن القول ان هذه الرواية، أو تلك، كانت بليغة، وان قوانين، وأسس، البلاغة قد تمثلت فيها. ولما كان الأمر كذلك يمكن أن نقول ان كل ما قلناها في الفقرة التي سبقت هذه الفقرة هو بعيد عن بلاغة هذه، أو تلك، الرواية حسب نسبة تمثلاتها لأسس، وقوانين، البلاغة.
إذن نحن أمام خيارين الأول: الألتزام بما جاء في الفقرة/1 فتكون الرواية هذه لا تمتثل لما للبلاغة من أسس، وقوانين. أو الالتزام بالفقرة/2 عندها يمكن أن نصف الرواية هذه بالرواية البليغة حسب شروطها الحديثة التي طالب بها د.ضيف.
قال زكي نجيب محمود في كتابه (المعقول وأللامعقول في تراثنا الفكري – ص148): وهو يتحدث عن نثر الجاحظ الذي شكل نقطة تحول في الثقاقة العربية، ((انه تطور من نظرة وجدانية الى أخرى عقلية، فبعد أن كانت الثقافة العربية قبل الجاحظ تخاطب الأذن بالجرس والنغم، أصبحت بعد الجاحظ تخاطب العقل بالفكرة، إنه انتقال من البداوة واسترسالها مع الشاعر، الى حياة المدنية وما يكتنفها من وعي العقل ويقظته فيلتفت الى الدقائق واللطائف التي تميز الأشياء والأفكار بعضها من بعض))(2).
انتقل الجاحظ بالبلاغة الصحراوية ذات الطابع البدوي الى البلاغة المدينية ذات الطابع الوجداني، وفي الرواية المعاصرة التي تضم الكثير من العناصر التي تقف بالضد بعض الأحيان من تلك البلاغة الصارمة، البدوية، أو المدينية، في الشعر الذي يتعامل مع حاسة السمع، والنثر الذي يتعامل مع وعي العقل، وهذا الوقوف بالضد من البلاغة تلك يمكن أن نجعل عناصر السرد في الرواية تتوافق مع البلاغة القديمة من خلال زحزحة عناصر البلاغة نفسها.
الهوامش:
1 – البلاغة تطور وتاريخ – ط9 – د. شوقي ضيف – دار المعارف – ب. ت. – ص7.
2 – المعقول وأللامعقول في تراثنا الفكري – زكي نجيب محمود – دار الشروق – القاهرة – ط2 -1978.



