العراق: دولة تحت الاختبار الحلقة السادسة والأخيرة: مخاض الخروج من “عنق الزجاجة”.. نحو مراجعة العقد الاجتماعي

العراق: دولة تحت الاختبار
الحلقة السادسة والأخيرة: مخاض الخروج من “عنق الزجاجة”.. نحو مراجعة العقد الاجتماعي
كتب رياض الفرطوسي
تصل سلسلة “العراق: دولة تحت الاختبار” إلى محطتها الأخيرة، لتقف أمام التساؤل الجوهري الذي يتجاوز حدود السياسة اليومية ليدخل في عمق “البناء القيمي” للدولة. إن التجربة الديمقراطية التي بدأت قبل عقدين واجهت تحدياً بنيوياً كبيراً؛ فالدولة الخارجة من رحم عقود طويلة من المركزية المطلقة، وجدت نفسها فجأة أمام “مختبر ديمقراطي” غريب عن تراكماتها المؤسسية. وهنا يبرز الدرس الأهم: إن الانتقال نحو العدالة والمؤسسات الرصينة هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار أنماط الماضي، فبناء الدولة القوية العادلة هو “أرقى أنواع الانتصار” على تاريخ من الاضطراب.
إن الإشكالية التي ترصدها الدراسات المعاصرة، ومنها قراءات الباحث “توبي دودج”، تكمن في محاولة تطبيق قوالب جاهزة للديمقراطية فوق بيئة اجتماعية غنية بتعقيداتها؛ حيث تتداخل قيم العشيرة والجيرة والانتماءات الفرعية مع مفهوم “المواطنة الحديثة”. هذا التداخل خلق نوعاً من “الارتباك في الهوية السياسية”، حيث يجد الفرد نفسه أحياناً موزاًعاً بين ولائه لمؤسسات الدولة وبين التزاماته الاجتماعية التقليدية. إن الديمقراطية الحقيقية ليست مجرد إجراءات انتخابية، بل هي “ثقافة مجتمعية” تبدأ من الأسرة والمدرسة لتنتهي بالوزارة؛ فالعقل الذي ينشد التحرر والعدالة في الفضاء العام، يحتاج أولاً إلى ممارسة هذه القيم في محيطه الصغير، ليتخلص من إرث “الوصاية” الذي خلفته الحقب السابقة.
العراق اليوم، وهو يراقب تجارب ناجحة لدول إسلامية كماليزيا وإندونيسيا، يدرك أن “الحداثة” ليست استيراداً للأدوات، بل هي “توطين للقيم”. فالتجربة الماليزية، بقيادة مهاتير محمد، لم تبنَ بالقطيعة مع التراث، بل بتوظيف الوعي الجمعي نحو الإنتاج والالتزام بالقانون. إننا في العراق لسنا بحاجة لجلد الذات، بقدر حاجتنا لـ “استعادة الثقة”؛ فالعقل العراقي الذي يتمتع بمرونة عالية وقدرة مذهلة على الصمود، يحتاج اليوم إلى بيئة مؤسساتية تحميه من “الاجتهادات الفردية” وتضعه على طريق المواطنة المجردة، حيث يُقاس الإنسان بعطائه وكفاءته لا بصيته أو نفوذه.
إن المخرج من “عنق الزجاجة” لا يتحقق بتبديل الوجوه، بل بتبديل “قواعد اللعبة” السياسية والاقتصادية. الأمل يكمن في بزوغ جيل من الموظفين والباحثين والمثقفين الذين يدركون أن “دولة المكونات” كانت مرحلة اضطرارية، وأن المستقبل لـ “دولة الكفاءة”. الاستقرار الحقيقي لن يتحقق بمسكنات النفط، بل ببناء اقتصاد متنوع وقضاء مستقل تماماً، يحول “الصمود العراقي” الأسطوري من حالة “بقاء” إلى “مشروع نهضة”.
ينتهي هذا الاختبار بدرس بليغ لنا جميعاً: إن الدول العظيمة هي التي تمتلك الشجاعة لمراجعة عقودها الاجتماعية بروح من التسامح والبناء. العراق اليوم يمتلك فرصة تاريخية للعبور من “ضيق المحاصصة” إلى “سعة المواطنة”، ليعيد تعريف نفسه كدولة مؤسسات تحترم تاريخها وتتطلع لمستقبل يليق بتضحيات أبنائها.




