هل فقدنا أنفسنا في زحمة الحياة؟ بين سندان الحضارة ومطرقة القلق: جدلية الاغتراب واستعادة المعنى | آمال قاسم

هل فقدنا أنفسنا في زحمة الحياة؟ بين سندان الحضارة ومطرقة القلق: جدلية الاغتراب واستعادة المعنى | آمال قاسم
أديبة | أردنية
إنّ الإنسان، ذاك الكائن المُلقى به في لجّة العصر، يجد ذاته سابحًا في خِضَمٍّ متلاطمٍ من القلق الوجودي، حيث تتناوشه عواصف الحداثة وتقذف به في أتون مجتمعٍ صاخبٍ تتآكل فيه القيم كما تتآكل الصخور تحت وطأة الموج. مجتمعٌ يتجرّد من دفئه الإنساني قبل أن يهوي بالفرد إلى مهاوي اليأس السحيق، فتغدو حياته ضربًا من المكابدة الدائمة، وصراعًا مريرًا بين نداءات الروح وضرورات الواقع.
من رحم هذا التناقض تنبثق ازدواجيةٌ قاتلةٌ في كينونة الإنسان المعاصر؛ إذ يُساق قسرًا إلى نبذ منظومة القيم التي ارتضعها من ثدي النشأة الأولى، في سبيل الانصهار في بوتقة المجتمع الحديث المتطلبة فترى الشباب يئدون أحلامهم الغضّة بأيديهم، ويمشون بأقدامهم فوق رفات أمانيهم البريئة، لا مبالاةً منهم، بل انصياعًا لسطوة الوجاهة وتوقًا إلى صولجان السلطة، وفي غمرة هذا التيه، تُستحيل أدوات الزيف من كذبٍ ورياءٍ ومداهنةٍ إلى معابر للارتقاء، ويتحوّل الإنسان إلى ظلٍّ باهتٍ لنفسه، مجرّدٍ من الأصالة، مفارقٍ للصدق، يرتدي أقنعةً لا تشبه ملامحه. يصبح النجاح مرادفًا للتنازل، والوصول مقترنًا بالسقوط الأخلاقي.
بيد أنّه، ورغم هذا الانكسار، تظلّ في أعماق روحه جذوةٌ لا تنطفئ، وحنينٌ دفينٌ إلى المنبع الأول، إلى تلك القيم الفطرية التي شكّلت نسيج الفطرة قبل أن تلوّثها أدخنة المدن. ويبقى السؤال الوجودي معلّقًا في فضاء الروح كجرسٍ لا يكفّ عن الرنين:
هل يقدر الإنسان، بعد أن عفّرت المدن الحديثة ثوبه، أن يعود إلى قريته الأولى طاهرًا؟
هل يستطيع بعد أن شرب من كأس الاغتراب، أن يستردّ صفاء قيمه الأصيلة، ويبعث الروح في إنسانيته الذابلة؟
تلك هي المعضلة التي تتأرجح بين جدلية الواقع وحلم اليوتوبيا بين ما هو كائن
وما ينبغي أن يكون.




