آخر الأخبار
ألمقالات

حين صمت العالم وتكلمت المسافات | أمل بالحوت بلال

حين صمت العالم وتكلمت المسافات | أمل بالحوت بلال

كاتبة وصحفية | تونسية

 

أربع سنوات مرت على الجائحة، لم يعد العالم كما كان عليه. كانت الجائحة نقطة فاصلة في سلم زمني موحد، ولم يعد الإنسان كما ظن نفسه يومًا. أربع سنوات كانت كافية لتعيد تشكيل تفاصيل الحياة في العالم، حيث صار الصباح ينتقي أخباره العاجلة، والضجيج مجرد ذكرى قديمة. السيارات اليوم “هيبريد” تمر بلا صوت، الشارع فقد صوته تدريجيا، المدن تنبض بلا صخب، لكن خلف هذا السكون تكمن حقيقة أخرى، ربما الإستنفار وكأن شيئا سيحدث: عالم يتقدّم بسرعة وتتسارع فيه الأحداث بسرعة البرق.

لم يعد القرب ضرورة، بل أصبح رفاهية مؤجلة بل يمكن الإستغناء عنه. كل شيء يُمارس عن بُعد: العمل، الدراسة، الحب، اللقاء، وحتى الفقد.

الحروب وضعت ظوابطها وضخت في خزان المشاعر من الإعتياد ما يكفي لقسوة.

كأن الإنسان أعاد تعريف وجوده عبر شاشة ناطقة بصوت آخر واقتدى بشخصيات أخرى، ينتقيها وفق مزاجيته، واختزل ذاته في إشارات رقمية وقرارات سريعة. العلاقات تُبنى اليوم بخفة وسهولة، فيها سرعة المبادرة وخالية من التردد والحذر فبحيث تُهدم بسهولة وغالبا لا تترك أثر، والذكريات لم تعد تُحفظ في القلب، بل في خوادم عديمة الإحساس وفي تطبيقات قابلة للزوال مع زوال الهواتف النقالة والساعات الاليكترونية ورسائل تضمحل سريعا تساند رسميا النسيان والنكران.

فالعمق لغة لا يدركها الجميع فتصبح الدائرة ضيقة في مساحة شاسعة.

في هذا التحول، تراجعت أشياء لم نكن نظنها قابلة للغياب: كالتعاطف، كالدفء، كجبر الخواطر والإعتراف بالجميل والأجمل.

أصبح الإنسان أكثر كفاءة، نعم، لكنه أقل إنسانية. ينجز أكثر، يشعر أقل ويستشعر أكثر في صمت. يمتلك كل الوسائل، لكنه يفتقد الغاية الأساسية والبهجة الصادقة و الشغف المحرك لكيانه، إدراكه وربما قوة إيمانه

فمن يرحل مدركا، ليس كمن يرحل غاضبا…

من يرحل مدركا، لا يعود. إذا ما صادف ووجدته أمامك مرة أخرى، فتأكد أنه عابر سبيل عقلاني مؤقت، لا يذكرك من شدة إجتراره علكة التناسي، قد وضع في خانة النسيان كل ما يعكر صفوه ومزاجه وفتح بابا قريبا يليق بعمقه تاركا وراءه عطرا خفيا يشتمه الزمن على المدى البعيد.

بين غفوة وأخرى، قد يتسلل حلم إلينا… أو كابوس. عالم في سنة ضوئية بعيدة، أكثر تطورًا، أكثر نظامًا، أكثر فأكثر عولمة، لكنه عالم خالٍ من الروح. عالم لا يموت فيه الإنسان فجأة فقط، بل يختفي تدريجيًا من داخله، يموت فيه الباطن الخفي قبل الضاهر المكشوف. لا رائحة للحياة ولا طعم للأيام، ولا معنى للقاء. كل شيء محسوب، مضبوط، ومفرغ من الدهشة.

لكن الاستيقاظ من الغفوة لا يُنهي الأسئلة… بل يبدأها.

ما الذي يجعلنا بشرًا فعلًا؟ أهو الجسد، أم الذاكرة، أم ذلك الارتباك الجميل الذي نشعر به حين نحب؟

وإن أمكن للعالم أن يخفف الألم إلى حدّه الأدنى… هل سنفقد معه القدرة على الإحساس ام نختار نحن التجرد منه بقناعة، كدرع بغاية الحماية؟

ربما لا يكمن الخطر في أن نصبح أكثر تطورًا، بل في أن نصبح واضحين أكثر من ما يجب حتى اعتقد البعض أن العطاء إستحقاق. محسوبين أكثر مما ينبغي؛ بلا أخطاء، بلا ارتجال، بلا تلقائية بلا تلك الفوضى الصغيرة التي كانت تمنح الحياة نكهتها.

كرة القدم مثلا، فرجة ومتعة، حين تستغل الفرص وتضيع، حين تدخل الهفوات حيز التنفيذ، حين يتم البحث عن النجاعة في منطقة الثمانية عشر متر، حين تدخل الكرة الشباك وحين تعترضها العارضة أيضا، في الربح والخسارة شغف يولد وينمو. أما نحن اليوم؟ فكأننا في مباراة خالية من الهفوة.

تخيّل عالمًا لا نحتاج فيه إلى الذاكرة لأن كل شيء محفوظ، ولا إلى اللقاء لأن كل حضور ممكن افتراضيًا، ولا إلى التعبير لأن الخوارزميات تفهمنا قبل أن نتكلم؟.

البعد فيه ناطق بالمسافات ونحن لزمنا الصمت.

في ذلك العالم، هل سنكتفي بنُسخٍ منا، أكثر دقة وأقل حياة؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى