آخر الأخبار
ألمقالات

“يا مستشارين.. إستشيرونا ولو مرّة! (خواطر من محفظةٍ تُسرق بلا فتوى)”

 

رسول حسين
بقلم: مواطن غير مستشار، لكنه يُستشار في همّ الخبز

في دولةٍ لا تعرف ما إذا كانت تضحك على نفسها أم تبكي على مستشاريها، نفتح هذا الملفّ العظيم.. لا أعني الملفّ الإداري، بل ملفّ “الجيوب المنتفخة”، تلك التي خرجت من رحم “الاستشارة المقدسة” لتحتل المراتب العليا في المصروفات دون أن تُشبعنا بنصيحة، أو تُخرِج لنا فكرة تُسعف رئيسًا يتلعثم بين أزمة وأخرى.

اسمحوا لي – وأنا لست مستشارًا، بل مجرد كاتب بدخل محدود لا يتجاوز نصف استشارة – أن أطرح سؤالاً مشروعًا بالمعنى الفقهي: هل يجوز شرعًا أن تُصرف الرواتب على غير عمل؟
ثم أتبع السؤال بآخر أشد قسوة: هل يُفتى لرئيس الوزراء أن يوزّع البلاد على شكل حصص استشارية دون أن يكون لذلك أثر ملموس في سياسات الدولة؟

أعذروني إن رفعت نبرة المقال، فربما كنت أحتاج إلى مستشارٍ في فن خفض الصوت، أو في إدارة الغضب الوطني.

الفصل الأول: ولادة المستشار.. من رحم الضباب

دعونا نبدأ من أصل الخطيئة: من أين يأتي المستشار؟ لا، ليس من رحم الانتخابات، ولا من نتائج الكفاءة، بل غالبًا من دهاليز الأحزاب، وموائد الولائم، وأحيانًا من علاقات الدم التي يختلط فيها الحليب بالموازنة.

ولد المستشار في لحظة صمت دستورية، حين عجز الدستور عن منع تزاوج المصلحة بالمحاباة، فولد لنا “السيد المستشار”، مهيب الركن، صاحب البدلة الإيطالية، الذي لا يُعرف له رأيٌ منشور، ولا اقتراحٌ مثمر، لكنه يتصدر المجلس إلى يسار الرئيس، وعلى يمينه الجهل المقنن.

إنه المستشار الذي يخرج من رحم الحزب، لا من رحم التخصص. فإن كنت ابن وزير سابق، أو خال نائب، أو صهر زعيم، فمباركٌ لك منصبك الجديد كمستشارٍ للشؤون الغامضة.

الفصل الثاني: الاستشارة كفنٍّ للفراغ

في تعريفٍ كلاسيكي قديم، قيل إن “المستشار مؤتمن”. أما في جمهوريتنا السعيدة، فالمستشار متّهم، إلا أن يُثبت العكس.

هو متّهم بتقاضي راتبٍ يُشبه فديةً من الدولة مقابل صمته. يُقال إن له دورًا، لكن لا يُعرف ماهيته. تارةً هو “مستشار للشؤون الاستراتيجية”، وتارة “للأمن الغذائي”، وأخرى “للإبداع المؤسسي”!

عفواً، من ذا الذي اخترع هذه المسميات؟ هل هناك “مستشار للابتكار الإلهامي”؟ أم أن الدولة تحولت إلى مختبر لغوي؟ والأدهى: هل يحتاج الرئيس إلى 42 مستشارًا؟! أم أننا أصبحنا في جمهورية المستشارين المتحدة، ورئيس وزرائنا مجرد موظف عندهم؟

الفصل الثالث: خزينة الدولة.. بين فم المستشار وجيب الفقير

فلنلقِ نظرة على الحقيقة العارية – العارية جدًا – وهي حجم الرواتب. راتب مستشار واحد قد يساوي ما يتقاضاه 40 موظفًا في وزارة التربية، أو 20 طبيبًا في مشفى حكومي.

وأجزم – بل أقسم إن شِئتُم – أنّ بعضهم لا يحضر إلا مرة كل أسبوع، وربما يغيب دون أثر، ويكتفي بتوقيع الحضور عبر الواتساب.

أليست هذه خيانةً للمال العام؟
أليست هذه صورة من صور أكل السحت؟
ألم يقل الإمام علي (عليه السلام): “من استأجر أجيرًا فاستوفى منه العمل فليوفه أجره، وإن لم يستوف منه عملاً فالأجرة سحت”؟

فهل أفتى لنا أحد أن ما يأخذه المستشار دون عملٍ هو حلالٌ بيّن؟
أم أن هناك فتوى خاصة تُجيز لمستشاري الحكومات تقاضي الرواتب تحت بند “بركات الجلوس”؟!

الفصل الرابع: إذا كان المستشار لا يُستشار.. فمن يُستشار؟

السؤال العظيم الذي يُلح على كل مواطن: ما هي فائدة المستشار؟ إذا كان الرئيس لا يسمع إلا من حزبه، وإذا كانت الوزارات تعمل وفق التعليمات الحزبية، وإذا كانت القرارات تُكتب خارج دوائر الدولة.. فلماذا المستشار؟

هل هو زينةٌ للبروتوكول؟ أم إكسسوارٌ للمشهد السياسي؟
هل يستشار فعلًا في القرارات الأمنية؟ في الملف الإقتصادي؟ في المفاوضات مع الخارج؟
إذا كان الجواب نعم، فأين النتائج؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا الراتب؟

سيدي الرئيس، أخبرنا فقط: هل تستشيرهم؟ وإن كنت تفعل، فهل تنفّذ شيئًا من نصائحهم؟ وإن لم يكن الأمر كذلك، فما الداعي لكل هذه العُدة البشرية؟
هل الدولة في أزمة بطالة لعلية القوم، فاخترعت لهم مناصب لا حاجة لها إلا لتبييض أسمائهم؟

الفصل الخامس: الجانب الشرعي.. السحت المُقنَّن

لو عدنا إلى فتاوى العلماء، لوجدنا أن أخذ المال بغير استحقاقٍ شرعيٍ بيّن يدخل في باب الحرام، وأحيانًا في أبواب السرقة المُقنّنة، خاصة إذا كان من بيت مال المسلمين.

وقد سُئل الإمام الخميني (قدس سره): “هل يجوز للعامل في الدولة أن يأخذ راتبًا عن وظيفة لا يُمارسها فعليًا؟” فأجاب: “لا يجوز ذلك، إلا إذا كان مستحقًا فعلًا للعمل الذي يؤديه. وما يأخذه دون ذلك فهو أكلٌ للحرام”.

إذن، نحن أمام معضلة فقهية قبل أن تكون سياسية.
إن هذه الرواتب لا تُمثل مكافآت، بل هي اختباراتٌ للعدالة. ومن فشل في هذا الامتحان، فعليه أن يعيد الأموال، أو على الأقل يشرح لنا ما هي استشارته الأخيرة التي غيّرت وجه البلاد؟!

الفصل السادس: بلاغ إلى رئيس الوزراء.. هل نحن بحاجة إلى مستشارين أم إلى عقل؟

سيدي الرئيس..
نحن نعلم أن الحكومات تمر بأزمات، وأنك محاطٌ بأصوات كثيرة، لكننا نرجوك أن تخبرنا:

– ما هي آخر استشارة تلقيتها؟
– من هو المستشار الذي نصحك بشيء ثم رأينا أثره الإيجابي؟
– كم مرة اجتمع المجلس الاستشاري؟ هل نُشر لهم محضرٌ واحد؟
– هل خضعت إستشاراتهم للتقييم؟ أم أن التقييم الوحيد هو مدى ولائهم الحزبي؟

نحن نعلم – وأنت تعلم – أن بعض المستشارين هم مجرد واجهة.
وأن بعضهم لم يكتب تقريرًا منذ توليه المنصب.
وأنّ بعضهم لا يملك حتى الخبرة في المجال الذي يُستشار فيه.
فما هو معنى “مستشار سياسي” لم يخض الانتخابات قط، ولا يفقه شيئًا في علم العلاقات الدولية؟

الفصل السابع: النهاية التي لا نهاية لها

في ختام هذا البلاغ غير الرسمي، أقول إن ظاهرة المستشارين – بصيغتها الحالية – ليست إلا واحدة من صور الانحراف الإداري الذي يتغذى على المحاصصة ويترعرع في ظلال الغفلة.

إنّ المال الذي يُصرف على المستشارين كان يُمكن أن يُوظّف في بناء مدرسة، أو تحسين مستشفى، أو رفع رواتب المعلمين. لكننا فضّلنا أن نصرفه على عقولٍ تُدعى استشارية، ولا يُعرف لها رأي ولا موقف.

وأنا كمواطنٍ بسيط، لم يُستشر يومًا، أطالب بأن يُعلن عن تقرير شهري يُبيّن لنا ماذا قدّم المستشارون؟ وما هو تأثيرهم في القرارات؟ وهل يملكون فعلًا شيئًا يُستفاد منه؟
وإلا، فلتكن لدينا الشجاعة أن نقول: “أغلقوا باب الاستشارة المزيفة وافتحوا باب الإصلاح الحقيقي”.

خاتمة بلسان الوطن:

يا سيدي الرئيس…
إن لم يكن المستشار على قدر الاستشارة،
وإن لم يكن عقله على قدر القرار،
وإن لم يكن حضوره إلا شكلًا،
فدعنا نستشيره لمرةٍ واحدة: هل تعتقد أنك بحاجة إليه؟ أم أنك بحاجة إلى من يُنقذك منه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى