من خلف النافذة | معاني سليمان

من خلف النافذة | معاني سليمان
قاصة | سورية
الشّمس تميل نحو المغيب، والسّماء بدت كلوحةٍ فنيةٍ متدرّجة الألوان؛ عندما توقفت السيارة أمام المنزل الكبير.
لقد عاد أخي فريد وعائلته من المنزل الصيفي، قالتها فريدة فور أن لمحتهم من نافذة غرفة نومها، التي تطل على الحديقة الأمامية للمنزل..
استقبلتهم الخادمة ندى بترحاب، بينما كان فريد يتبادل الحديث والمزاح مع زوجته منى وابنتهما يارا.
طرق الزوجان باب غرفة فريدة..
فريدة ذات الخمسين عاماً؛ مستلقية على السرير كورقة خريف ذابلة، تتأمل الحياة والأيام تطوي بعضها بعضاً من نافذة غرفتها، حيث لا تبارح مكانها حرصاً على صحتها، حسب توصيات الطبيب.. لها عينان زرقاوان مشعتان ونظرات عميقة، بجوارها اصطفت كتبها المفضلة، وقطتها المدللة.
فتح الزوجان باب الغرفة، ما إن رأى فريد أخته حتى انقلبت حاله؛ تجهم وجهه وغلظ صوته، وسألها بجفاء: أرى أنك بخير!
ردت فريدة بعدم اكتراث: أنا بخير للأسف ياعزيزي، يبدو أن عليك أن تنتظر فترة أطول لتستولي على منزل والدينا.
انتفخت أوداج فريد وجحظت عيناه، وفارت الدماء في رأسه كالمرجل؛ صرخ بوجهها غاضبًا : بماذا أجيبكِ؟ ألا يكفيكِ عقاب الله لك على حقدك وسواد قلبك؟! ثم رفع يديه إلى السماء وهو يقول “حكمتك يارب، أخذت عافيتها وأبقيت لي لسانها السليط”
وقبل أن يدير ظهره خارجاً، التفت إلى زوجته وقال بهدوء: سأذهب لأرتاح ياحبيبتي
وافقته منى على رأيه وأومأت برأسها، فمضى.
جلست منى بالقرب من فريدة: لا عليكِ، إنه عصبيٌ بطبعه، لكنه حنون ويحبك كثيراً، صدقيني طوال الاجازة، كان يردد ليت فريدة معنا
كظمت فريدة غيظها، وتظاهرت بالاقتناع: أصدقك ياعزيزتي، دعكِ مني الآن، ماذا عنك يامنى؟، مالي أراكِ شاردة الذهن منطفئة الروح؟!..
ردت منى بحزن: فريد زوج صالح، لكن غيرته الشديدة وشكوكه تزعجني، حتى عندما يكون غائباً؛ يجب أن يكون لديه تقرير عن يومياتي، أعلم أنه يحبني بجنون، لكن هذا الحب يخنقني.
ابتسمت فريدة وقالت: أظن أنك يجب أن تضعي له حدوداً، وتطلبي منه أن يثق فيكِ، هو يحبك وسيفعل ما تطلبين منه، أنا أعذره ياعزيزتي، انظري إلى نفسك في المرآة، تنافسين بحسن ملامحك ولدونة قدك نجمات السِّينما؛ اخترتِ أخي الأصلع البدين بشاربه الكث وأسلوبه الجلف، لطالما تساءلت ما الذي أحببته فيه يا جميلة الجميلات؟
ضحكا معاً، سألتها فريدة فجأةً: ما أخبار المنزل الصيفي؟ سمعتكما تتحدثان عن ضرورة تجديده؟.
تنهدت منى وقالت: نعم، كنت أحاول إقناع فريد بضرورة الإستعانة بشركة هندسة معمارية متخصصة لترميم المنزل وإعادة رونقه إلى سابق عهده
رائع جداً.. قالتها فريدة متحمسة، ثم استطردت بعد لحطة بدت فيها شاردة، كأنها كانت تبحث عن شيءٍ ما؛ حين وجدته لمعت عيناه،
أظن أنني أعرف شركة متخصصة في ترميم البيوت الصيفية؛ لديها أفضل مقاول في المدينة، سأتصل به غداً.
قالت منى: ستسدين لي خدمة كبيرة، ولكن فريد..
قاطعتها فريدة: لقد اتفقنا أنه يجب أن يعطيك مساحتك الخاصة، ثم هو مسافر غداً، ليس من الضروري أن يتدخل بكل شيء، كل ما عليه أن يدفع الفواتير
اقتنعت منى برأيها، وكان في عينيها شيء من الحزم: أتفق معك، هاتفي الشركة غداً
نظرت فريدة إلى منى برضا، ثم قالت: أين يارا؟ لقد اشتقت لرؤيتها
حضرت يارا وهي متململة، ترتدي منامة حريرية بيضاء، وشعرها الأشقر الطويل ينسدل على كتفيها، نظرت إلى أمها بغضب، أشارت لها منى بعينيها، فقبلت رأس عمتها.
أهلًا صغيرتي، هل استمتعت بوقتك؟.
راحت يارا تتلاعب بخصلات شعرها، وتتأفف وتحدق بالسقف، وتمط شفتيها، أخيراً أجابت: نعم..نعم استمتعت يا عمتي
ثم نظرت إلى أمها وكأنها تقول “أهذا كل شيء؟!”
أنهت فريدة الموقف وقالت ل منى: اذهبا، لا شك أنكما متعبتان، طابت ليلتكما
عاتبت منى يارا عند خروجهما: كان يمكنك أن تكوني أكثر لطفاً معها
ردت يارا بعصبية: إنها كاذبة وخبيثة، دائماً ما تقارن بين معاملة أبي لي ومعاملته لها عندما كانت في سني..
عندما تراني ذاهبة إلى الكلية، تقول يا حسرة والدك حرمني من التعليم، والدك زوجني بصديقه الفاشل، والدك كان يقول الدلال يفسد البنت، والدك أكل عمري، والدك حرمني الحياة ..سئمت منها ومن أحاديثها، متى ستفهم أن زماني غير زمانها؟.
أشرقت الشمس وملأت الكون بضيائها، دبت الحياة باكراً في المنزل، شاهدت فريدة أخاها من النافذة يودع زوجته وابنته قبل أن يذهب إلى المطار، ويغيب عنهم لثلاثة أشهر مدة انعقاد المؤتمر الطبي.
بدأت ذكرى ذلك اليوم تنساب إلى مخيلة فريدة، كلحن أغنية قديمة، يوم طرق زوجها الباب بعد غياب، استقبلته بعينين حائرتين تملؤهما الأسئلة، كانت ملامحه تشي بالارتباك والضياع، بادرها: سأشرح كل شيء، كنت في المشفى، أصبت بنوبة قلبية، لم أستطع الاتصال لأنه كما تعلمين، أطرق رأسه وبصوت خفيض..”زوجتي وأولادي”
تابع..
عندما كنت بين الحياة والموت نذرت لله إن عافاني، أن أزهد الدنيا، وأترك كل شيء يعلقني فيها، وأهب بقية عمري في التدبر والعبادة، ولما كنتِ أنتِ أكثر شيء أحبه..
سكت مشيحًا بنظراته بعيدًا عن نظرة عينيها المترقبتين؛ تردد في استرسال ما نوى قوله.
أصاب الرعب وجه فريدة وشعرت بوخزة في قلبها
–أكمل
–نذرت الله إن عافاني أن أطلقك!!
انهالت الدموع على وجه فريدة، تكورت على الأرض وبكت بحرقة، ثم توقفت وراحت تضحك بجنون:
لقد سمعت بأعذار الرجال الواهية التي يقولونها عند الهروب، لكن عذرك هذا لم يخطر ببال أحد
ركضت إلى الباب فتحته وأشارت له بالخروج، حاول أن يهدئها أو يعتذر، صدته بشراسة: لا تتفوه بأي كلمة حمقاء أخرى، لا أريد أن أرى وجهك ثانية
وصفقت الباب وراءه بقوة..
راقبته من النافذة وهو يختفي وسط الظلام، ويبتلعه الغياب إلى الأبد.
نسائم الصّيف الرّقيقة تدخل من نافذة الغرفة محملةً بعبقِ زهر اللّيمون المنعش، حضرت منى إلى غرفة فريدة لتطمئن عليها، حيتها فريدة وقالت: أنتِ محظوظة ياعزيزتي، لقد هاتفت المقاول وسيحضر اليوم.
ردت منى بحماس: رائع أنا بانتظاره، لقد رضخ فريد لكلامي وأوكل إلي مهمة تجديد المنزل
أبلغتهما الخادمة بوصول المقاول، فذهبت منى لتستقبله، تفاجأت بمظهره؛ شاباً بسمرة جذابة، وعينان ضيقتان خضراوان، وشعر فوضوي وجسد رياضي متناسقة عضلاته، يرتدي قميصاً أسود وبنطالًا أبيض فضفاض.
أهلًا سيدتي، اسمي وسيم
قالها بصوت هادئء ونظرات نافذة؛ حادة ثابتة.
ارتبكت منى أمامه، فابتسم وثبت نظره في عينيها بثقة: سيدتي هل يمكن أن أستعرض لك نماذج للمنازل التي أنجزتها سابقاً؟…
كانت فريدة في غاية السعادة وهي تلاحظ زيادة اهتمام منى بالمنزل الصيفي وغيابها الطويل، وفرحتها عندما يحضر وسيم ليصطحبها معه.
كانت تراقبهما وهو ينفث السيجارة ويزفرها من فمه، ثم يناولها لمنى التي تسحبها ببطء نحو رئتيها، ثم ترسلها نافثة كل الحواجز التي تعيقها، يرتفع خيط الدخان عالياً في الهواء ثم يتلاشى كأحلام سريعة الزوال.
دخلت الخادمة ندى إلى غرفة فريدة وقالت بارتباك
“إنه السيد فريد”، اتصل بهاتف المنزل وهو غاضب جداً، ويصرخ بهستيرية؛ يقول أن منى لا ترد على محادثاته وهو قلق عليها.
علقت فريدة بهدوء: يبدو أن أحدنا وجد السعادة أخيراً
ردت ندى بامتعاض: لا أدري لم رشحت خطيبي السابق وسيم بالذات لهذه المهمة، ألا يوجد مقاولون في المدينة سواه؟! ذلك الوغد، الخائن، زير النساء!!
لكنه يؤدي عمله جيداً
قاطعتها فريدة وأكملت:
كما أظن أنك ناضجة بما يكفي، و تخطيت الأمر أليس كذلك؟
هزت ندى رأسها باستسلام.




