آخر الأخبار
ألمقالات

هل العمر مجرد رقم؟ بين ملامح الجسد وصوت الروح

 

بقلم /فوزية الوثلان

كثيرًا ما نقف أمام المرآة أو نتأمل من حولنا فنطرح سؤالًا يتكرر بصيغ مختلفة: هل العمر حقًا مجرد رقم؟ ولماذا يبدو بعض من بلغوا الخمسين أو الستين اليوم أكثر شبابًا وحيوية ممن سبقوهم في العمر ذاته؟ وهل ما نشعر به من تسارع في الأيام له علاقة بما نراه من اختلاف في ملامح الناس وأعمارهم؟

الحقيقة أن العمر ليس مفهومًا واحدًا بسيطًا، بل هو عدة أبعاد متداخلة. هناك العمر الزمني الذي يُقاس بالسنوات، وهو الرقم الذي نحتفل به كل عام. وهناك العمر البيولوجي الذي يعكس حالة الجسد من الداخل: صحة القلب، كفاءة الخلايا، قوة المناعة. وهناك أيضًا العمر النفسي الذي يتجلى في الروح، في الحماس، في نظرة الإنسان للحياة.

ومن هنا يبدأ الفهم الحقيقي: قد يتساوى شخصان في العمر الزمني، لكن بينهما سنوات طويلة في العمر البيولوجي والنفسي.

ما نلاحظه اليوم من أن الأجيال الحالية تبدو أصغر سنًا ليس وهمًا، بل له أسبابه. فقد تطورت الرعاية الصحية بشكل ملحوظ، وأصبح الوعي بالتغذية والرياضة والعناية بالجسم أكثر انتشارًا. كما أن نمط الحياة تغيّر، فلم تعد الأعمال الشاقة تستهلك الجسد كما في السابق، وأصبحت وسائل العناية والتجميل متاحة بشكل أوسع. كل ذلك أسهم في تأخير مظاهر التقدم في العمر.

في المقابل، نجد من يبدو أكبر من عمره الحقيقي، وهنا يظهر الوجه الآخر للحياة. فالضغوط النفسية، وقلة النوم، والتوتر المستمر، وسوء التغذية، كلها عوامل تسرّع من مظاهر الشيخوخة. إن القلق قد يترك على الملامح ما لا تتركه السنوات، والتعب النفسي قد يرهق الجسد أكثر من أي مجهود بدني.

أما شعورنا بأن الزمن يمر بسرعة، فهو شعور إنساني عميق، وقد أُشير إليه في النصوص الشرعية فيما يُعرف بـ”تقارب الزمان”. لكنه شعور إدراكي مرتبط بكيفية عيشنا لأيامنا، لا بتغير حقيقي في عدد ساعات اليوم أو تأثيرها البيولوجي على أجسادنا. فحين تمتلئ الحياة بالانشغال والتكرار، نشعر أن الأيام تتسابق، بينما اللحظات التي نعيشها بوعي وامتلاء تبدو أطول وأكثر أثرًا.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل العمر مجرد رقم؟

الإجابة ليست نعم مطلقة، ولا لا قاطعة.

العمر رقم… حين نجعله مجرد سنوات تمر دون وعي أو عناية.

وليس مجرد رقم… حين نفهم أن لكل سنة أثرًا يتراكم في الجسد والروح.

العمر الحقيقي يُقاس بجودة الحياة، بسلام النفس، بقدرتنا على التوازن بين الجسد والعقل، وبما نزرعه في أيامنا من معنى. قد يكون الإنسان في الستين، لكنه يحمل روح العشرين، وقد يكون في الثلاثين لكنه مثقل بتجارب أرهقته قبل أوانه.

في النهاية، لا نستطيع إيقاف الزمن، لكننا نملك أن نؤثر في كيف يمر بنا.

نملك أن نعتني بأجسادنا، أن نخفف عن أرواحنا، أن نعيش بوعي، وأن نختار لأنفسنا حياة لا تُقاس بعدد السنوات، بل بعمقها.

وهنا فقط …يصبح العمر أكثر من مجرد رقم .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى