آخر الأخبار
ألثقافة والفن

قراءة في المجموعة القصصية (من منا في رأسي) للكاتب عبدالله جعيلان | دلال جواد الأسدي

قراءة في المجموعة القصصية (من منا في رأسي) للكاتب عبدالله جعيلان | دلال جواد الأسدي

ناقدة | عراقية

 

 

من منا في رأسه عنوان عميق يعطي دلالة انتقادية لتغيب العقل بعض الأحيان، لكن ليس انتقادًا مباشرًا، وذلك يخضع لعدد من الأسباب النفسية والشعورية، وكذلك القيود المجتمعية وعقدها، كلها ضمن نطاق المسؤولية فوق طاقة التحمل، والتي تؤول إلى عدم فهم النفس والمجتمع وما فيه.

 

المقدمة:

الشكل العام للمجموعة القصصية “من منا في رأسه” للكاتب المبدع عبد الله جعيلان.

برز الكاتب في هذه المجموعة التي تتكون من خمسة عشر قصة مختلفة العناوين، ومختلفة المضمون الذي طرح من الاستشهاد من ثقافات متعددة غربية، وهذا أعطى تدعيمًا وقوة للنصوص في اختصار المعنى وبث التوسع الثقافي فيه.

عرض الكاتب الكثير من القضايا المجتمعية تخص بناء الفرد، بل دخل عالم الفرد بكل جرأة، وعرض أبعاد ما يحفر في الطفولة من ذاكرة سيئة وتبقى وتتأثر في السلوك، كما في قصة (فياغرا).

التسلسل القصصي كان يسودها الثقل النفسي الكبير والفلسفة، وكذلك النقد المجتمعي.

لم يطرح كاتبنا عبد الله المثالية، ولم يصور عالمًا ورديًا، لكن صوره الكاتب بشكل يكاد يكون رماديًا يميل للسواد.

تتراوح بين غياهب النفس البشرية ودهاليزها المظلمة، ولا يظهر منها غير ما يسمح لنا الكاتب بذلك.

وكذلك قصة سيناريو، التي يسودها تشويق والتداخل في الأحداث حتى النهاية المفاجئة فيها.

ومنها مثلًا مدينة بلا أسماء أو المتجول الأخير.

تناول بشكل ملفت وراقٍ لطرح تساؤلات والبحث وغموض وتشويق.

 

اللغة والأسلوب:

كانت اللغة سلسة في قصصية مشوقة، عنصر المفاجأة والصدمة يسودها، سواء من النهايات المفاجئة أو النهايات المفتوحة التي تترك الكثير من الأسئلة والرغبة في معرفتها.

والأهم السرد والأوصاف التي تناسب منسوب التحبير فيها، حتى صنع تخيلًا للمشهد والملامح بشكل سهل.

 

الخلاصة والرأي الخاص:

أرى العمل الذي قدمه كاتبه عمل جميل وسلسل، يسوده الغموض والتشويق، مبطن بانتقادات والغوص بالنفس البشرية وعقدها النفسية، في محاولة لصنع جسور تواصل مع الذات والنفس وخلق لغة حوار.

 

تفكيك القصص:

 

فياغرا (من صفحة 10-15):

يفتتح الكاتب القصة بأعمق مشكلة وأكثر تجذرًا تصاحب المجتمعات منذ الصغر، وتترسب العقدة للفرد.

سبب العادات السيئة، طريقة التعامل، الانفلات من العقوبة، وعدم تقديم التفسير الحقيقي والصحيح لتلافي الحالة أو المشكلة.

وهنا بطل قصتنا يعرض من خلال ما مر به نتجت سلوكيات غير صحيحة، ورسخت قناعات بعمر صغير خاطئة.

جسدت قصة الكاتب الجريئة صفعة وعي للمجتمع المتغيب عنه الثقافة والتعامل السليم، وبيان آثار بث صور غير مكانها الصحيح، تجعل الطفل في تخبط وضياع وانحلال، وتصاحبه طول حياته دون وعي منه.

 

مضاجعة لوحة (15-19):

يكاد يكون العنوان صادمًا لما يحمل من معانٍ،

لكن في الحقيقة تعبر هذه القصة بين ما ينقصنا وما نتمناه، بين الأمنيات وتحقيقها في لحظة خيال،

وبين لحظة الإدراك من تحقيق الأحلام التي تكاد أن تكون لا تمثلنا، وبهذا تعبر القصة عن توتر وضيق وأفق ومحاولة خروج من الواقع ببعض من الخيال بالاندماج دون انسجام.

 

 

؟؟؟؟؟؟؟ (20-26):

هنا القصة تصور الحدث دون مقدمات، تعرض عددًا من الحالات النفسية والشعورية الصعبة التي تدخل حالة من الاضطراب وعدم الاتزان.

بعضها سبب المعرفة الزائدة، وعدم التعامل مع هذه المعرفة بطريقة صحيحة لعدد من الأسباب، من ظلم المجتمع وعدم توفر الجانب الإصلاحي والاعتراف به.

عرض الاضطراب،

الخوف،

الثقافة العالية،

عدم الاتزان،

هشاشة النفس.

 

قبل أن أقتل طفلًا (27-32):

تبدأ القصة بتصوير مشهدي لحالة من تنمر وسوء التربية، ويتغلغل النص عبارات عامية تصف الحدث ونبرة تحدث بنوع من الحدة والهيمنة، تصف حالات مشهدية لمشهد تنمر، أي كان السبب سواء غيرة أو حقد أو ممكن من الخوف.

هذه القصة أركانها تختلف، فيها المكان واضح والزمن وكذلك الشخوص، عدد من الشخصيات عُددت أسماؤهم.

يسود الغموض القصة، وكذلك يعتليها حالة نفسية متأرجحة، وكذلك الرمزية لرسمة كلانديز.

وبعدها يأتي فك الرمز في آخر القصة، في بيان جريمة القتل التي حدثت للابن، سببها الأب وسبب منصبه الذي من خلاله يستطيع أن يفعل أي شيء يريد، وذلك بعد دوامة كبيرة من الشك لدى الولد الصغير في نفسه وصراع نفسي عنيف

 

القاتل غير مأجور (33-37):

راقت لي هذه القصة كثيرًا، لأنها من نوع القصص البوليسية النفسية العميقة التي تذهب لأبعاد كبيرة ومتجذرة في المجتمع. هنا القصة التي تتحدث عن قاتل متسلسل يقنع الضحية بالانتحار، وفي آخر القصة الصدمة يكون القاتل هو من أقنع والده، وكذلك هو رقم ستة.

تحمل القصة جوانب تربوية كثيرة وغموضًا وشغفًا لإكمالها حتى النهاية، وبيان فيها البعد النفسي، وأن المريض النفسي ممكن أن يعيش وسط المجتمع دون علمنا، ويوجد جزء منه ويمثل مسمارًا مؤذيًا بكل براعة.

 

هروب من الجمجمة (38-34):

قصة تبدأ من إطلاق اسم النبوة على شكل مزحة، ومعرفة أن هذا الاسم غير ممكن حتى التألف معه.

هنا يعطينا انطباعًا من القصة المدرجة بشكل عام بعض التوقعات، وحتى المكانة أو التوجيه الذي يُعطى لنا، حتى عند علمنا أنه غير صحيح وغير ممكن ومستحيل، الاعتياد يصنع تقبلًا ويضعه في محل تقبل ومحاولة تحقيقه، ويُصيب الإنسان نوعًا من الغرور لإتلاف نمط تعامل، نمط لقب، نمط سلوك.

حتى لو كان على سبيل المزاح أو السخرية.

لذا ممكن استثمار ذلك في منظور آخر ومثال آخر نحو تقدم الأفضل ورفع مستوى التوقعات للأفضل ضمن حدود العقل والمنطق والإمكانيات المتاحة في تحسين النفس وصقلها.

 

قتل مشروع (44-58):

اسم القصة حول المحورية التي يرمي لها الكاتب في محاولة لإيجاد فكرة في كتابة الرواية. الكثير من الكتاب في محاولات لإيجاد رأس الخيط لما يكتب، يكون يداعب فكرة بالعديد من المواقف والأحداث والكلام مع نفسه، حتى وصولًا لاسم والحدث.

وهنا استحضر الكاتب عددًا من الشخصيات وفلاسفة كشاهد حديث، وجعل لهم وردًا في الأحداث التي تدور حول رأسه، حتى الوصول لاسم القصة وبيان الملابسات التي حدثت أثناء استحضارها.

هنا طرح ذكي في جعل الاتصال موثوقًا وقريبًا من القارئ في بيان الصعوبة والتحديات التي تواجه الكاتب عند محاولة الكتابة، مع بعض الهزلية ممزوجة بالجد، حتى اكتمل الطرح وتقبل القارئ لما كتب حتى النهاية.

 

حبة سكر (49-58):

قصة في منتهى الروعة والجمال في عرض خيال واسع واندماج أحداث وتسلسل قصصي في متابعة الحدث.

القصة تدور بين الرجل الكبير والشاب، والحدث في الباص. تدور الأحداث حول موقف في الباص من ارتباك الرجل وتوفير المقعد للجلوس، ومنها بدأ الشاب في الكتابة حول ارتباك الرجل، وتبحر الشاب في بناء الحدث القصصي وتصاعد الأحداث حتى الذروة إلى الخاتمة بكل جمال وعنصر المفاجأة الذي أدى إلى الاعتراف.

هنا برزت قدرة الكاتب في أخذ المتلقي نحو الأحداث وجذبه لمعرفة الحدث: هل من خيال الشخصية المحورية أم حدث حقيقي يُروى لنا؟

نكاد نبني قناعة أنها من شرارة موقف تم بناء الحدث، وبعدها نهاية مفاجئة تغير مسار الأمور وتدخلنا للعنصر المهم من الصدمة والأساسية في بناء القصة، وتجعل الاعتراف في النهاية مفتاحًا لختام القصة بما يتخضب الفكر من قناعة ومتابعة.

 

سيناريو (58-65):

تتجلى هنا التسمية من صميم القصة، وتمتاز بحبكة متقنة وتلاحم مع الفكرة ومجريات القصة، ومحاولة الوصول للنهاية، لأن القصة مأخوذة من حالة موجودة لبعض المجتمعات الملحدة، وكذلك العادات البالية لدى البعض الآخر في تمجيد أشخاص والشعوذة والقرابين.

ولكن خدمة العناصر القصصية وموازنة العناصر السردية والوصفية جاءت بشكل جميل ومتزن، وجعل النهاية صدمة رقيقة وجميلة.

الملفت بالقصة أن المفتاح هو العنوان، ولكن عند الدخول للقصة يصنع تعايشًا وشغفًا لمعرفة ماذا بعد؟

وبعدها أرجع الكاتب عبد الله القارئ للنقطة الأولى، وهو العنوان، بأمثال النهاية لإنهاء النص السيناريو، وبيان بشكل ملفت وجميل أن القصة كانت تُقرأ على شكل نص، وأعجب كل من يقرأ بالنص وأرادوا تمثيل الدور.

 

البريد المفاجئ (66-69):

وصلنا إلى هذه القصة التي تحمل معاني الوجع بكل ما تحمل من معانٍ، بسبب الحروب والمعاناة التي خلفتها على الكثير.

وجع الفقدان، وجع الحسرة، وجع الفراق غير المقبول داخل النفس، بحيث يتداخل الواقع بالخيال لدرجة تناسي الحقيقة، وتحاول النفس الهروب من الواقع المرير نحو إشراقة أمل ونفحات تفاؤل، لكن للأسف غير حقيقة.

النفس البشرية معقدة، بعضها لا تتقبل الخسائر وتدخل في حالة نفسية صعبة من تناسٍ دون نسيان، تخيل ووهم، أو صنع عالم غير موجود يستحضر ما فقدنا ويعوض عنه.

وهذا ما فعل بطل قصتنا، ونجح الكاتب عبد الله في تجسيد ذلك في قصة البريد المفاجئ بكل سلاسة ورقي وواقعية.

وكانت الخاتمة منتهى الألم والوجع الذي يتغلغل لحظة إدراك للحالة الصعبة والمؤلمة من الفقدان.

 

نحن في الموت (70-72):

جسدت هذه القصة بعدًا غير متناهٍ في وصف الحياة دون طعم، وكأنها مدينة أشباح، وذهب الكاتب عبد الله بالوصف إلى مدينة كاملة من الموت، بحياة معدومة، عدم شعور، نكهة أي شيء أو مذاق أي شيء، أو حتى ألم أي شيء.

 

بلادة غير متناهية.

هنا هذا الوصف يأخذنا لبعد مرعب من حياة دون حياة، والأكثر روعة انتاب شعور الخوف والفزع والريب، بل خلال الوصف أخذنا الكاتب لتخيل حال المدينة، وأدخلنا هذا الجو، وبهذا حقق الغاية والهدف من القصة بكل براعة.

 

مدينة بلا أسماء (73-78):

قصة يسودها الرمزية بكل ما فيها، تحمل منهجية تأملية فلسفية عميقة في بيان الغموض والتعتيم على الحقيقة، ومحاولة نبشها ومعرفة سرها، ولكن نهاية القصة جاءت بالغموض وعدم الإجابة على الأسئلة التي طرحت، ورحلة تقصٍ بُترت وانتهت.

وهنا يأتي لنا فكرة أن بعض الحقائق تبقى مخفية، وبعض الأمور لا يجب معرفتها حتى بالبحث والتقصي، بل أخذنا الكاتب على فكرة أعمق أن الحقيقة ممكن أن تكون أصعب من تقبلها وأكبر من تحملها.

وليس كل الحقائق سوف تريحنا.

ختم النص بعيار تعطي هذا المعنى، وبهذا كانت الخاتمة مصحوبة بحكمة ونتائج قد تكون لا ترضينا، لكن تنجينا.

 

المتجول الأخير (79-83):

هنا لدينا هذا العنوان ممتد، لكن يرمز له هذه التسمية المتجول الأخير 317. تتمحور القصة حول مدينة تكاد تكون مثالية لدرجة مرعبة، هذه المثالية والكمال غير مريحة، تجعل المتجول يدب الريب والشك، ويتساءل حول هذه المدينة.

صفات مدينة منظمة، مرتبة، مبرمجة، لا أحد يخرج خارج النطاق المرسوم له من السلوك والفكر والتحدث.

هنا تجرأ المتجول نحو البحث والتقصي حتى اكتشف أن العالم مزيف، يوجد فيه الكثير، ليس فقط ما نعرفه بشكل الظاهر، بل التمويه مقصود، والمحو وتبديل التاريخ مقصود.

من هذه الرمزية تطرق أبواب الذهن: هل هناك مقاربة تشبه هذه المدينة بالواقع الذي نعيشه؟

طرح السؤال ممنوع؟ الاعتراض ممنوع؟ التفكير خارج الصندوق والقطيع خطأ؟

في هذه القصة الفلسفية ذات الرمزية العالية، يغلقها الغموض المقصود، تحت طياته حقيقة عامة يراد نفض الغبار عنها والتفكر فيها.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى