شُرفةالنُّورالأخيرة | د.لُجين الغصن

شُرفةالنُّورالأخيرة | د.لُجين الغصن
شاعرة | سورية
يستيقظُ في مفاصلِ الحجرِ ذُعرٌ أبيضْ،
الياسمينُ.. جنازةُ الصمتِ المشيعةِ نحو الأعلى.
رئةٌ تخرجُ من ركامِ المنازلِ،
تتسلّقُ لؤمَ الجدرانِ لتمسَّ عروقَ الكينونة.
هنا.. ينبتُ الوقتُ على شكلِ بَتَلاتٍ جارحة،
وتصيرُ الجدرانُ التي حبستنا.. مخارجَ للطوارئ،
الياسمينُ لا ينمو بالماءِ.. بل بدمعِ الأسمنتِ حينَ يتوب.
هنا.. على شرفةِ النورِ الأخيرة،
تتعرّى الرائحةُ من جسدِها القديم،
تصيرُ لغةً لم يقرأها “تموز” في ألواحهِ،
وضجيجاً سماوياً ينهشُ صمتَ العتبات.
هذا التدلّي ليس سقوطاً..
إنه ارتقاءُ الأرضِ في هيئةِ زهرة.
الياسمينُ كاهنٌ يقرأُ كفَّ العابرينَ تحتَ الشرفات،
يفضحُ الصدأَ المخبأَ في عروقِ المدنْ.
أنتَ يا ابنَ البياضِ..
تُقاسمُ المتعبينَ أَرَقَهم في أحياءِ الصفيح،
وتعلقُ مشنقةَ العطرِ لكلّ لسانٍ يبيعُ الوهم.
أنتَ لستَ ابناً للهواءِ الطلقِ..
بل أنتَ سليلُ الزنزاناتِ التي تنفّستْ بياضاً رغماً عن القيد،
أنتَ الوشمُ الذي لم يمحُهُ سوطُ الجلادِ في ذاكرةِ الطرقات.
الناسُ.. محضُ أقنعةٍ تمشي خلفَ جنازاتِ أحلامِها،
وأنتَ “الرؤيا” التي تقفُ في حلقِ الزحام.
لا شأنَ لكَ بمواسمِ الشجر،
أنتَ مَوْسِمُ الحقيقةِ حينَ تخرجُ من أفواهِ الجياع،
وأبجديةُ النورِ التي تنحرُ عتمةَ النوايا.
أنتَ الفارقُ الوحيدُ بينَ مديحِ المنافقِ.. وصلاةِ المظلوم،
بينَ ورقةِ نقدٍ تتداولها الأيدي.. وورقةِ شجرٍ تلمسُ السماء.
هنا.. تتقاطعُ “نحنُ” المزيفةُ معَ “بياضِكَ” المطلق،
فتسقطُ الألقابُ، وتعرى القلوبُ في محكمةِ الشذى.
أيها الياسمينُ.. يا ابنَ المدى المحاصر،
لماذا تمنحُ عطرَكَ لمن يبنونَ الجدرانَ ويرفعونَ الأسوار؟
إنهم يسرقونَ بياضَكَ ليغسلوا بهِ سوادَ ضمائرِهم،
ويقطفونَ رأسَكَ ليضعوهُ فوقَ طاولاتِ القمارِ السياسية.
لكنّكَ الآن.. تعلنُ العصيان،
تتحولُ من زهرةٍ للزينةِ.. إلى لغمٍ ينفجرُ في وجهِ النفاق،
تصيرُ “رؤيا” أدونيس التي لم تتسعْ لها الكتب،
وصرخةَ السيابِ التي بلّلها المطرُ في شوارعِ الغربة.
الآن.. ارفعوا أيديكم عن حوافِ الحلم،
فالياسمينُ ضاقَ بثرثرةِ الخواء.
لقد بصقَ عطرَهُ على وجوهكم المستعارة،
ولوى عنقَهُ.. انتحاراً يليقُ بقداسةِ الصمت.
لا ضوءَ في هذه الشرفةِ بعد اليوم،
فقط.. دخانُ ضمائركم المحروقة،
وبقايا جثثٍ لزهرٍ أبى أن يشمّ ريحكم الكريهة.
كُفّوا عن رثاءِ الجمالِ.. وأنتم مَنْ ذبحَهُ بسكينِ الأطماع،
كُفّوا عن البكاءِ فوقَ الأطلالِ.. فالياسمينُ قد غادرَ المكان.
عودوا إلى سراديبِ نفاقكم..
فالشرفةُ التي كانت نوراً،
صارت الآن.. خنجراً يطعنُ عينَ الشمسِ كي لا تراكم!



