كتاب (القصيدة كفعل نجاة) لحميد عقبي: قراءات تأملية في عشر تجارب شعرية تقاوم الحروب وتغني للحياة

كتاب (القصيدة كفعل نجاة) لحميد عقبي: قراءات تأملية في عشر تجارب شعرية تقاوم الحروب وتغني للحياة
خاص | وكالة الراصد نيوز24
في حديث خاص لـ”وكالة الراصد نيوز24″، كشف الناقد اليمني المقيم في باريس حميد عقبي، عن صدور كتابه “القصيدة كفعل نجاة ـ عشر تجارب شعرية عربية: قراءات نقدية”، عن منشورات المنتدى الأوربي للسينما والمسرح في باريس.
والذي يمكن اعتباره إضافةجيدة للمكتبة العربية في مجال النقد الأدبي المعاصر.
هذا الكتاب لا يسعى لتصنيف أو تقييم التجارب الشعرية وفق مقاييس تقليدية، بل يختار أن يصغي إلى القصائد كأنها همسات روحية، محاولًا الدخول إلى عوالمها الداخلية بتمعن وتأمل، ساعيًا لاكتشاف مكامن الألم، لحظات الانخطاف، والدهشة الخفية في كل تجربة. تتعدد أصوات الشعراء وتتنوع جغرافيًا، لكن ما يجمعهم في هذا الكتاب هو الإيمان بأن القصيدة يمكن أن تكون حبل نجاة في عالم يعصف بالإنسان، يجرده من كرامته، ويدفعه نحو العزلة والصمت.
يحضر الألم في أغلب التجارب الشعرية التي يتناولها الكتاب، ألم يمتد من فلسطين الجريحة إلى العراق المكسور، من اليمن النازف إلى لبنان الغارق في انهياراته، من تونس والمغرب إلى كل زاوية يطحنها القهر أو الغربة. لكن هذا الألم لا يتحول إلى بكائيات، بل يُعاد صياغته شعريًا، يُخضع للفن، ويُحوَّل إلى طاقة خلق. القصيدة تصبح مرآة مكسورة تعكس ما لا تقدر السياسة ولا الخطابة ولا البلاغة الجوفاء على قوله.
تتميز هذه التجارب بأنها لا تكتفي بتكرار أنماط مألوفة، بل تسعى كل منها لخلق عالمها الخاص، للبحث عن لغة جديدة، وصياغة إيقاع داخلي متفرد. ثمة ميل واضح إلى التمثيل الشعري الخلاق، حيث يتحول الجسد إلى استعارة، الغياب إلى حضور، والقصيدة إلى مشهد بصري، سينمائي، يخاطب العين قبل الأذن. لا عجب أن تكون مقاربات حميد عقبي النقدية متأثرة بحسٍّ بصري واضح، ناتج عن خلفيته كمخرج وسيناريست، ما يمنح قراءاته بعدًا مشهديًا حسيًا، تتجاوز التفسير نحو التذوق والانغماس.
الكتاب يتضمن مقدمة مكثفة تُؤسس لسؤال أساسي: كيف يمكن للقصيدة أن تُبقي الإنسان حيًّا؟ يليه ملخص موجز باللغة الإنجليزية، ثم عشرة فصول تتناول كل منها تجربة شاعر أو شاعرة من أقطار مختلفة، ضمن إطار تأملي حواري، يحاول تفكيك بنية النص، وسبر رموزه، دون إلغاء فردانية الصوت.
نلمس في كل قراءة رغبة في الإنصات لا الحكم، في التحليق مع النص لا تدجينه. ولهذا، فإن هذه القراءات لا تُشبه الشهادات النقدية، بل تشبه كثيرًا محاولات سينمائية لغوص الكاميرا في تفاصيل مشهد داخلي، غير مرئي، لكنه محسوس.
ورغم أن بعض هذه التجارب لا تزال شابة أو لم تنل شهرة واسعة بعد، إلا أن الكاتب لا يتعامل معها بتعالٍ أو تقييم خارجي، بل يمنحها فرصة لتتكلم، لتقدم ما تملكه من رؤى وأحلام. القصيدة هنا ليست وثيقة، بل كائن حي يتنفس، يشهق، وربما يئن. والناقد، أو القارئ العميق كما يقدمه حميد عقبي، لا يتدخل ليقيس أو يصنّف، بل ليمرّر الضوء، يلتقط ما لا يُقال.
في هذا السياق، تبدو هذه القراءات وكأنها دعوة لاحتفاء جديد بالشعر، بقدرته على مقاومة اليأس، وعلى الإيمان بالحب رغم الخراب. القصائد تقترح السلام، لا كشعار، بل كأسلوب حياة. تؤمن بأن الكلمة يمكن أن تكون ملاذًا، القصيدة طريقًا للخلاص الفردي والجماعي. هذه النصوص، كما تُقرأ في هذا الكتاب، تملك نزوعًا واضحًا نحو الحلم، والحب، والإنسان، في مقابل كل أنظمة القهر والقمع.
أما عن الكاتب، فكتاب “القصيدة كفعل نجاة” ليس إلا محطة في مشروع نقدي شعري وفني متكامل يعمل عليه حميد عقبي خلال عام 2025، حيث سبق له أن أنجز خمسة كتب نقدية شعرية في الشهور الماضية، ويطمح لإنجاز ما يصل إلى عشرة كتب جديدة. الملفت أنه يواصل هذا الجهد دون أي دعم مؤسسي أو رعاية، مكتفيًا بشغفه، ومثابرته، ووفائه لفكرة الإبداع بوصفه شكلًا من أشكال المقاومة.
إن خصوصية كتابات حميد عقبي تكمن في هذا التمازج بين الحسّ السينمائي والعمق الشعري، بين العين التي ترى، والروح التي تتأمل. لا يبحث عن سلطة الناقد، بل عن دهشة القارئ الأول. لا يصدر أحكامًا، بل يفتح نوافذ.
بهذا المعنى، فإن “القصيدة كفعل نجاة” تجربة تواصل، دعوة لحوار مع الشعراء، مع القصائد، ومع الذات التي تبحث عن ضوء في هذا العتمة. إنه محاولة صادقة لإعادة الاعتبار للشعر كفن حيّ، وكأداة لفهم العالم ومقاومة فقدان المعنى.





