غرابة لوحة | بنين آل ماجد

غرابة لوحة | بنين آل ماجد
قاصة وكاتبة | عراقية
منذ مدة وقطّي الأبيض “بافلو” يتردد على شقة جارنا المقابلة.
قطّي الذي ينبذ الجميع، صار يندفع نحو ذلك الغريب وكأن بينهما معرفة قديمة، حتى في أوقات الظهيرة بدل أن يجلس بقربي على كنبتنا المفضلة بينما أتناول مربى الفراولة مع قطع من الجبنة الفرنسية.
وفي أحد الصباحات، بينما أسقي النباتات الصغيرة على الشرفة، رأيت ذلك الرجل متكئًا على الشرفة المقابلة، يتأمل ما أفعله بعينين متلألئتين كقطعِ بلورٍ لامعة.
كان يحمل كوبًا يتصاعد منه بخارٌ يمتزج بدخان سيجارته فيرسمان معًا لوحة عابرة في الهواء.
كان يرتدي قميصًا ملطخًا بالألوان، ألوانٍ بدت أنها رطبة، حتى خُيّل إليّ لوهلة أن قميصه جزء من تصميم عصري… لا أثرَ لفوضى فنان حقيقي.
المزعج في هذه الحادثة كان قطّي المشاكس “بافلو”، الذي كان يغطّ في نومٍ عميق فوق سياج الشرفةِ هناك.
وفي اللحظة التي قرر فيها أن يحمله ليدخله إلى الشقة، راودتني رغبةٌ عارمة في قتل كليهما، كما راودتني رغبةٌ أخرى في البكاء… أن أبكي بشدة، كما يفعل المرء بعد خيبته الأولى.
وفي ظهيرة اليوم التالي، التقينا في السوق.
ناولني قطعة شوكولا من الرف، فشكرته محاولةً إخفاء حنقي.
ابتسم قائلًا:
–سعيد أني ساعدتك.
سرنا جنبًا إلى جنب، صامتين، قبل أن يكسر الهدوء ويسألني إن كنتُ من المدينة.
سألني عن سبب زيارتي، وعن حبي لنوع الشوكولا التي كنت أحملها.
وسألته بدوري عن تلك اللوحات التي كان يحملها، فأخبرني عنها.
كان يتحدث بحماسة عن “سلسلة الشمس”، وعن القط الذي بدأ بزيارته منذ مدة، ليجلس قبالتها وكأنه يتأملها.
وتحدث بشغف عن طرق الرسم، ومعاني الألوان، وعن تلك الفرشاة التي لا تفارقه.
حتى إنه قال لي إن الفرشاة تشبه قلم حبرٍ وحيد، حصل عليه كاتب مقابل كل ما يملك.
ثم سألني:
–أتعلمين ماذا يعني قلم الحبر الوحيد عند صاحبه؟
أجبته:
–لا… لا أعرف.
ولم أعرف أيضًا
لماذا شاركته حبي للوحات، ولم أشاركه هوسي بالكتابة؟!..
وعندما وقفنا لنحاسب، أصر أن يدفع، وكان كلانا عنيدًا فأقترحت أن يدفع مقابل قطعة الشوكولا، وأن أرى لوحاته (اعتقدت أنني سأراها في معرض ما).
وعند الباب سألني:
–تحبين كعكة البرتقال؟
أجبته:
–نعم… لماذا؟
فرد ضاحكًا:
–أنا طاهٍ جيد… ليس جيدًا جدًا، لكن لا أفسدها.
دعاني لزيارة مرسمه الخاص عند الظهيرة.
أخبرني أنه سيعد كعكة برتقال، وربما يشتري أخرى جاهزة، خوفًا ألا تكون خاصته جيدة.
كان بارعًا جدًا في إضحاكي. وعندما افترقت عنه، كنت أحدث نفسي كالمجانين، اللوم عليك يا بافلو، قلتها وأنا أقف في مصعد البناية.
وعند الثالثة عصرًا، ارتديت إحدى الفساتين البيضاء المزينة بالأقحوان الأصفر. آه… كم أحب أزهار الأقحوان الصفراء.
قبل أن أطرق باب شقته حاملة صحن فطائر أعددته مسبقًا، ربما كاعتذار عن شيء خفي.
قال لي، وهو يلطم جبينه:
–قولي لي أنكِ لم تحضريها بيدك؟
أجبته مبتسمة:
–نعم، قلتها وأنا أمد الصحن ليأخذه.
فرد قائلًا:
–شكرًا جزيلًا لكِ، لقد أتعبت نفسك.
كانت شقته تنعم بألوان هادئة، وتدلت الثريا من الطراز القديم في وسط الغرفة، بينما تفوح رائحة الكعك الذي أعده في المكان.
ومكتبة الكتب تمتد على طول الضلع الرابع، مليئة بالكنوز الصغيرة.
تحدثنا عن الكتب، الشعر، والفن، حتى أنني شاركته نظرياتي عن الحياة.
أخبرني أن الفن وليد البحث عن المعنى، فأشرت إلى أن الفن موجود حتى في غياب البشر، لكنهم يكتشفونه فقط.
وعند دخولنا إلى المرسم، كان بافلو يجلس أمام لوحة كبيرة مغطاة.
آه… يا بافلو، قطي المشاكس، قلتها وأنا أمرر أناملي على رأسه.
نظر إليّ إيفان مندهشًا:
–أتعرفينه؟ أشار إلى بافلو.
–نعم… لقد كرهتك بسببه.
انفجر ضاحكًا:
–كرهتني! لماذا؟
–أنه قطي منذ ولادته.
نظر إلى القط متمتمًا:
–الآن فهمت.
سألته:
–ماذا تقصد؟
ابتسم وقال:
–لا شيء، تفضلي، لنبدأ من هنا.
بقي بافلو جالسًا، بينما كنا نقف أمام كل لوحة، ليسألني عما شعرت به عند أول نظرة إليها.
وعندما سألته عن “سلسلة الشمس” التي أخبرني عنها، قال إنها لوحات لا يفضل مشاركتها.
يا إلهي… كم تمنيت أن تبتلعني الأرض التي أقف عليها حين قال ذلك.
كان الغريب في تلك اللوحات أنها بدت شيئًا واحدًا في لحظات وأماكن مختلفة،
حتى إنه رسم قدح شاي بين يدي نادل، وعلى الطاولة، ثم بين يدي سيدة عجوز في مكان بدا كأنه قصر السلام في بغداد.
قاطعنا صوت الهاتف الأرضي وهو يرن بصخب، فاستأذن إيفان قائلًا:
–لحظة، من فضلك.
بقيت هناك، أحدّق في بندول الساعة الذي يكاد يعلن الخامسة.
انتظرته ليعود، لأخبره أنني ربما سأعاود زيارته لاحقًا، فقد تأخرت.
وقبل أن أنطق، قال:
–انتظري لحظة، سأحضر لكِ شيئًا.
جلست هناك، أنظر إلى بافلو الكسول وهو يتمطى ويخربش الستارة البيضاء،
فانزاحت الستارة كأنها ثوب حريرٍ ينساب بين أنامل امرأة.
لتنكشف صورة امرأةٍ جميلة جدًا، ترتدي ثوبًا أبيض مزينًا بأزهار الأقحوان الصفراء،
تعكس أشعة الشمس فتجعله مشرقًا.
وكانت ساعة يدها الذهبية تلمع كأنها شمس أخرى.
كانت تحتضن قطة بيضاء كالثلج، وتقف على شرفة تشبه شرفتي تمامًا.
وثبتُ مسرعةً خارجةً من المرسم، تاركةً بافلو يحمل أعباء جريمته.
كنت أقف عند الباب حين عاد إيفان، حاملًا هديةً مغلفة.
منذ متى وأنتِ واقفة هنا؟ سألني وهو يسرع نحوي.
أجبته:
–منذ أن خرجت.
قال:
–أتمنى ألا أكون قد تأخرت.
–لا… أبدًا، كنت أتأمل الثريا هناك.
ابتسم وقال:
–يمكنك أخذها.
أجبته:
–إنها جميلة حيث هي.
ودعنا بعضنا، وغادرت الشقة وأنا أحمل ذلك الصمت الغريب.
وعندما أغلقت باب شقتي خلفي، وقفت للحظة أحدّق في الشرفة…
في المكان الذي أقف فيه كل صباح.
ولم يكن ثمة سؤال إلا منذ متى كان يراني؟



