آخر الأخبار
ألثقافة والفن

على مرمى وطن | نهاد بدران

على مرمى وطن | نهاد بدران

كاتبة | سورية

 

لقد طُرِدتُ مِن عَمَلي، والآن ما العمل؟ 

سُؤالٌ رافَقَني طِوالَ فَترةِ انتِظاري، والانتِظارُ يَخونُ مَن يَتَّبِعُه. ومِن مَحاسِنِ الصُّدَفِ أنَّها جَمَعَتني بآخَرين التَصَقَ بِهِم ذات السُّؤال حتّى صارَ لَنا هَدَفٌ واحِد. 

 

تَشارَكْنا البَحثَ طويلًا دونَ أن نَعثرَ على عَمَل، وبَدأَ كُلُّ واحِدٍ مِنّا يَلوذُ بالصَّمتِ كَأنَّهُ عَمَلٌ إضافيّ، فلا شَيءَ آخَرَ نَلوذُ بِه.

وفَجأةً، سَمِعتُ صَوتَ أحَدِهِم يَعلو: بُشرى ها قَد وَجَدْنا عَمَلًا شاغِرًا، إنَّها مِهنةُ حَفّارِ قُبور، الشّاغِرُ فارِغ والجَنائزُ تَملأُ الشَّوارع. 

التَحَقَ الكَثيرونَ فَورَ سَماعِهِم الخَبَر، أعلَمُ أنَّ المَوتى يُحِبّونَ عُبورَ ما تَبقّى لَهُم مِن الحَياةِ وَحدَهُم، لِهذا قَرَّرتُ مُتابَعَةَ البَحثِ مَعَ الآخَرين. 

لَم يَمضِ وَقتٌ طَويلٌ هذِهِ المَرَّة، حتّى سَمِعتُ أصواتًا كَثيرةً تَهتِف: لَقَد وَجَدْنا وَظيفَةً شاغِرَة! إنَّها مِهنةُ حَرقِ الكَلِماتِ العَرَبيّة.

اندَفَعَ الجَميعُ إلى العَمَلِ دونَ تَرَدُّد، بَدأتِ النّارُ تَتَّسِعُ وتَتمدَّد كُلَّما ازدادَ عَدَدُ المُلتَحِقينَ بِها. 

وفي ظِلِّ الكَلِماتِ المُحتَرِقَة، كانَت هُناكَ آثارُ حُروفٍ مُبَعثَرَة، جَمَعتُها بِصُعوبة، حتّى صارت عِبارَةً أقرؤُها: لا مِجدافَ يُراهَنُ عَلَيه…

تابَعتُ وَحدي البَحث، بِنِصفٍ يَرثي وَحدَتَه، بينَما كانَت العِبارَةُ تَلحَقُ بي فتَزدادُ وُضوحًا ونُضجًا، في حينِ كانَ نِصفي الآخَرُ يَتَعَثَّرُ بِصَمتِها قَبلَ الفُرصَةِ الأخيرةِ لِلسُّقوط.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى