آخر الأخبار
ألثقافة والفن

الحاج محمود وقتي | ناطق فرج

الحاج محمود وقتي | ناطق فرج

قاص | عراقي 

 

كنتُ صغيراً حين لمحتُ الحاج محمود في حيّنا… رجلٌ نحيفٌ أنيقٌ، يعتمر سِدارةً فيصلية، ويمشي بخفَّةِ مَن يعرفُ أنَّ الدُّنيا لا تستحقُّ كثيراً من الضَّجيج. كانَ منزِلُهُ قُبالةَ منزِلِنا، وكانَ حضورُهُ هادئاً حتى أنَّ المرءَ يكاد لا ينتبه إليه، لولا تلكَ النَّظرةُ الطَّويلةُ التي كانَ يرمقُ بها قطعةَ الأرضِ الصَّغيرةِ المحصورة بين بيتينِ فخمينِ.

في ذلك اليوم رأيتُهُ واقفاً، يتأمَّلُ الأرضَ بصمتٍ عميقٍ، كأنَّه لا ينظرُ إلى ترابٍ جامدٍ، بل إلى عمرٍ كاملٍ يريدُ أنْ يختصرَهُ في مساحةٍ ضيّقة. اقتربتُ منه وسألته إنْ كان يبحثُ عن شيءٍ، أو يحتاج إلى مَن يرشده. اِلتفتَ إليّ مبتسماً وقال بهدوء:

–لقد اشتريتُ هذه الأرض، وأنا الآنَ أرسمُ خريطةَ المنزلِ الذي سأسكنه قريباً.

مضيتُ وأنا مأخوذٌ بالحيرةِ؛ إذ لم أرَ في حياتي شخصاً يرسمُ بيتاً بعينيه قبل أن يرسمَهُ على الورق، ولم أفهمْ كيفَ يستطيعُ رجلٌ أنْ يشيّدَ مستقبلَهُ كلَّه وهو واقفٌ بصمتٍ أمامَ أرضٍ خاوية.

بعد يومينِ، جاء عاملان وشرعا بالحفرِ والبناء. لم يطلِ العملُ كثيراً؛ غرفتان صغيرتان يتوسطهما سلَّمٌ لا يفضي إلى شيء. غرفةٌ له ولزوجتِهِ، وأخرى للضّيوفِ، أمّا الفراغُ الذي بينهما فحوَّلته زوجته إلى مطبخٍ ومكانٍ لغسلِ الصُّحون، أما بقيَّةُ الأرضِ فقد بقيتْ خالية، غير أنَّ الحاج محمود أحاطَ منزلَهُ بسياجٍ من طابوق الچفقيم… بلا باب.

كلُّ شيءٍ في منزلِ الحاج كان مؤقَّتاً، كأنَّ أصحابَهُ نزلاءُ عابرونَ لا سكّانَ دائمونَ.

زوجتُهُ أيضاً كانت تُشبه ذلك المنزل؛ امرأةٌ قصيرةٌ ونحيلة، بوجه دائري شاحب وعينينِ صغيرتينِ، تُذكّرني بـ ثريا فخري، الممثّلةُ التي كانت تأخذُ دورَ «الداده» في الأفلامِ المصرية القديمة. كانت زوجةُ الحاج محمود تعتني بالبيتِ بإخلاص، تنظِّفُ، تطبخُ، ولا تطمحُ إلى أكثرَ من يومٍ هادئ يمرُّ بلا متاعب.

أمّا الحاج محمود، فكانَ يؤجِّلُ الحياةَ كلَّها.

قلتُ له يوماَ: 

–لماذا لا تبني غرفةً أُخرى؟

ابتسم قائلاً: 

–هذا البناءُ كلُّه وقتيٌّ… ويوماً سأغيُّر كلَّ شيء.

ومرَّةً سألته:

–لماذا لا تضعُ باباً للسّياج؟

أجابني بالهدوء ذاته:

–كلُّ شيءٍ وقتيٌّ… حتى هذا السِّياج.

كان يردِّدُ كلمةَ «وقتي» وكأنَّها فلسفةُ عمره… 

لم يكن منزلُهُ وحده مؤقَّتاً، بل أثاثُهُ، ومقتنياتُهُ، وحتى أحلامُهُ. عاش الحاج محمود كأنَّه مستأجرٌ في الحياةِ، لا يريدُ أنْ يُثقِلَ قلبَهُ بشيءٍ دائم، أو يربُطَ روحَهُ بما سيترُكُهُ خلفَهُ ذاتَ يوم.

ولعلّ المأساةَ الكبرى أنَّ الإنسانَ لا يفهمُ حقيقةَ الأشياءِ إلا بعد فواتِ الأوان.

ففي صباحِ يومٍ هادئ، رحل الحاج محمود بحادثِ سيرٍ وقعَ قُبالةَ منزلِهِ، كأنَّ الحياةَ أرادت أن تُخبِرَنا بسخريةٍ قاسية أنَّ الإنسانَ قد يموتُ على عتبةِ ما ظنَّه مأواه الأخير. لم تمكثْ زوجتُهُ بعدَهُ طويلاً؛ فقد ذبُلتْ سريعاً، ثمَّ لحِقَتْ بِهِ بعدَ أيامٍ قليلةٍ، كأنَّ الأرواحَ التي تعيشُ طويلاً معاً، تتعلَّمُ الرَّحيلَ معاً أيضاً.

كلُّ شيءٍ رحلَ بسرعةٍ مدهشةٍ: المنزلُ، صوتُ الحاج، خطواتُ زوجتِهِ، وحتى رائحةِ الطَّعامِ التي كانت تتسلَّلُ مساءً من مطبخِها الصَّغير.

بعد أسبوعٍ فقط، رأيتُ رجلاً شابّاً يقفُ قُبالةَ منزلِ الحاج متأمِّلاً المكانَ بالطَّريقةِ نفسِها التي وقفَ بها الحاج محمود يوماً. سألتُه إنْ كانَ يحتاجُ إلى مساعدةٍ، فأجابني:

–لقد اشتريتُ هذا المنزلَ، وسأسكنُ فيه مع عائلتي.

كان أوَّل ما فعله أنَّه هَدَمَ منزلَ الحاج محمود، ثمَّ شيَّدَ مكانَهُ قصراً فخماً. حينها فقط فهِمتُ ما كان يرمي إليه الحاج محمود طَوال حياته.

لم يكن الحاج رجلاً مُهمِلاً أو كسولاً كما كنّا نظنُّ، ولم يكن فقيراً في خيالِهِ أو طموحِهِ، بل كانَ يرى ما نعجزُ نحنُ عن رؤيتِهِ وهو أنَّ هذه الحياةَ ليستْ سوى إقامةٍ قصيرةٍ في عالمٍ عابرٍ.

منازلُ وقتيَّة…
مقتنياتٌ وقتيَّة…
وجوهٌ تمرُّ بشكلٍ وقتيّ…
حتى الأحزان… الأحزانُ نفسُها وقتيَّة… وأنَّنا لا نملك الأشياءَ حقّاً، بل نعبرُ بها وتعبرُ بنا، ثمَّ نسلِّمها لمَن يأتي بعدنا كما لو أنَّ الحياةَ سلسلةٌ طويلةٌ من الأيادي المتعاقبة.

لقد رحلَ الحاج محمود، ورحلتْ زوجتُهُ، واندثرَ منزلُهُ، لكنَّ عبارتَهُ بقيتْ معلَّقةً في ذاكرتي، كحكمةٍ قديمة تقاوم النّسيان:

«كلُّ شيءٍ وقتي»!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى