آخر الأخبار
ألمقالات

تراتيل الدم في ذاكرة الرمل

تراتيل الدم في ذاكرة الرمل

كتب رياض الفرطوسي

يحدث كثيراً أن تقف اللغة عاجزة أمام مفارقات التاريخ، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة في حياة الناس إلى محاكمات كبرى ترسم ملامح زمن بأكمله. إن قراءة الماضي ليست ترفاً فكرياً أو رغبة في استعادة الوجع، بل هي ضرورة لاسترداد الوعي؛ فالذي لا يدرك عمق الجروح التي أصابت ذاكرته، لن يتمكن يوماً من تلمس أفق المستقبل. وفي هذا السياق، تأتي القراءات التوثيقية التي يقدمها الدكتور حميد عبد الله لتشكل صدمة للوعي الراكد، حيث ينبش في ركام الوثائق الأمنية ليعيد تعريفنا بحقيقة ما جرى، بعيداً عن السرديات الحكومية المنمقة التي حاولت لسنوات تزييف الواقع.

في تلك الأروقة التي كانت تُدار بالخوف، تبرز وثيقة أمنية تختصر مأساة “الإنسان” حين يُسحق تحت آلة لا تعرف التأويل. تتحدث الوثيقة ببرود عن شاب يدعى ستار مشذوب، غادر الحياة في ذروة عطائه عام 1988، لا لذنب اقترفه سوى أنه قرر أن يطلق لساقيه العنان في “ركضة طويريج”. تلك الهرولة الوجدانية التي تعبر عن لوعة الفقد، تحولت في عرف القسوة إلى جريمة تستحق الموت. كيف لطقس يؤديه مئات الآلاف، يفيض بالدموع والدعاء، أن يتحول إلى ملف إعدام ينهي حياة بشر؟ هذه المفارقة لا تقف عند حدود المواطن البسيط، بل تمتد لتطال هيبة العلم؛ وحين نستذكر قامات علمية مثل الدكتور طالب البغدادي، ندرك أن الاستهداف كان موجهاً “للعقل” الذي يجرؤ على التفكير. إن المشهد الذي يروي انتزاع أستاذ جامعي من محراب درسه ليواجه صلف برزان التكريتي وإهانته، هو الوجه الحقيقي الذي يختبئ خلف غلاف “الزمن الجميل” المزعوم.

إن المخرجات الحقيقية من إعادة قراءة هذه الأحداث لا تكمن في رصد القسوة فحسب، بل في فهم “التاريخ من أسفل”؛ ذاكرة المهمشين الذين يملكون سرديات نقيضة تماماً لما لُقِّنّاه. إننا بحاجة اليوم إلى طرح أسئلة المستقبل بجرأة؛ فالمراجعة التاريخية هي الخطوة الأولى نحو الشفاء الجمعي، لضمان عدم تكرار الخراب تحت مسميات جديدة. إن دلالات نبش الماضي تكمن في تحصين الحاضر، وفهم أن كرامة المواطن هي حجر الزاوية في بناء أي دولة حقيقية. إن الطريق نحو وطن معافى يبدأ من تطهير الذاكرة، والإيمان بأن التنوع في الفكر أو الطقس يجب أن يكون مصدر ثراء، لا سبباً لإلغاء الوجود. الحرية هي غايتنا الأسمى، وهي تبدأ حين نجرؤ على النظر في مرآة الماضي بصدق، لنرسم مستقبلاً لا يُظلم فيه أحد، ولا تُنتهك فيه حرمة العقل أو الوجدان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى