آخر الأخبار
ألمقالات

فخ الهدوء

فخ الهدوء

كتب رياض الفرطوسي

تغسلُ أمستردام وجهها الآن ببرقٍ مفاجئ، يقتحمُ زجاج النافذة ليحول ملامحي إلى طيفٍ يطفو فوق القنوات المائية. البحر في “سخيفينينغن” يهدرُ بجنون عظمةٍ غير مبرر، وكأنه يحاول ابتلاع صمت المدن التي لا تنام. في هذه اللحظة، أشعر برغبةٍ عارمة في أن أكون أي شيء سوانا؛ ريحاً لا وجه لها، أو حتى مقعداً خشبياً في حديقة مهجورة. أليست الاستراحة حقاً مشروعاً حتى للغرباء الذين نسوا شكل الطمأنينة؟

سأعلنُ اليوم انشقاقي عن العالم. لن أسير نحو “ساحة الدام”، ولن أراقب وجوه السياح وهم يطاردون السعادة بكاميراتهم، ولن أحاول عقد صفقاتٍ خاسرة مع سماء المدينة التي تمنحنا المطر وتبخل علينا بالوضوح. اليوم، المقهى ليس مكاناً للقاء، بل هو فضاءٌ للفراغ؛ لا أحد يأتي، ولا أحد يذهب، والمكان مجرد صدىً لخطواتٍ لم تُطرق بعد. ربما غداً، حين تخف وطأة هذه الوحشة، سأذهب إلى الشاطئ لأجمع حطام الصدف وأغازل الموج الذي لا يعرف التعب.

كنت أخطط للحديث عن أشياء تافهة وجميلة، عن لمعان الأقراط في أذني غريبة تعبر جسراً، عن ثقل النوم في صالات الترانزيت،وعن شفق أمستردام الذي يرفض الانكسار فوق القنوات، محولاً ليل الغرباء إلى مرآةٍ من نحاسٍ لا تنطفئ. لكنني تراجعت؛ ففي هذا الضباب الذي يلف الرؤية، يصبح الكلام فخاً للتأويل. خجلت من ترتيب غرفتي، من وسادتي التي تشهدُ على ارتباك أحلامي، ومن بقايا عشاءٍ باردٍ يشي بإهمالي للتفاصيل التي تصنع الحياة.

يا له من صمتٍ ثقيل، إنه يصرخ في أذني أكثر من ضجيج المدافع القديمة. صرت أخشى الوضوح، لأنه يكشف لي عري المسافات بين ما أنا عليه وما كنت أطمح إليه. أحتاج الآن إلى ثورةٍ صغيرة في غرفتي؛ سأبدلُ ترتيب المقاعد، سأغيرُ نكهة قهوتي، وسأحاول إقناع البحر بأن يبتعد قليلاً عن نافذتي. ثمة قمرٌ يطل الآن، بأصابع من ضوءٍ نحيل، يهمس لي عما يفعله الناس ببعضهم في تلك البلاد البعيدة التي تسكنني ولا أسكنها، تلك الأرض التي صار فيها البشر ذئاباً في أوقات فراغهم.

سألتُ نفسي في مرآةٍ مشروخة: “أي يومٍ هذا الذي يطحننا؟” فلم أجد في التقويم إجابة. نحن نعيش في زمنٍ لا يخضع للترتيب؛ أيامنا كُتلة واحدة من الانتظار، يومٌ يتلوه آخر دون فواصل، كأننا في جمعةٍ تسبق الثلاثاء بقرون. لكي أستريح فعلاً، عليّ أن أخلع ذاكرتي عند الباب، أن أتخفف من اسمي ومن ثقل المكان. لكن الخوف يلاحقني، لا من العواصف ولا من المنفى، بل من هذا السكون الذي يشبه القبو. لن أستريح، فمنذ متى كان للغرباء الحق في الهدوء؟ حتى الفكرة التي تقول إن التعب له نهاية، تبدو لي الآن محض خرافةٍ جميلة لم يعد يصدقها أحد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى