انهيار شرعية الصندوق وبداية معركة التمثيل الحقيقي للشعب العراقي

انهيار شرعية الصندوق وبداية معركة التمثيل الحقيقي للشعب العراقي
✍🏻 إحسان الموسوي
12 5 2026
منذ اكثر من عقدين والشعب العراقي يذهب الى الانتخابات بوصفها الطريق المفترض للتغيير لكنه يعود في كل مرة محملا بخيبة اكبر من سابقتها لان ما يجري لم يكن انتقالا ديمقراطيا حقيقيا للسلطة بل عملية اعادة تدوير منظمة للنفوذ والوجوه والمصالح تحت غطاء دستوري هش صمم ليمنح الشرعية لمنظومة عاجزة عن انتاج دولة وقادرة فقط على انتاج الازمات
الانتخابات في العراق لم تعد تمثل ارادة شعب بقدر ما اصبحت اداة لقياس حجم النفوذ بين القوى المتحكمة بالمشهد ولهذا حين عجزت الطبقة السياسية عن انتاج رئيس وزراء من داخل توازناتها التقليدية جرى الاتيان بشخص من خارج اللعبة السياسية لادارة المرحلة وهذا الحدث بحد ذاته اسقط الرواية الرسمية التي ظلت تتحدث عن التداول الديمقراطي وكشف ان القرار النهائي لا تحسمه صناديق الاقتراع وحدها بل تحسمه معادلات القوة والتوافق والضغط الداخلي والخارجي
هذه الحقيقة التي حاولت السلطة اخفاءها لسنوات باتت اليوم واضحة امام الشارع العراقي فلم تعد الجماهير ترى في الانتخابات اداة خلاص بقدر ما تراها مسرحية مغلقة النهاية تعاد فيها كتابة النتائج قبل بدء العرض ولهذا تراجعت الثقة الشعبية بشكل خطير واصبح العزوف الانتخابي موقفا سياسيا صامتا يعبر عن رفض جماهيري واسع للمنظومة كلها لا لبعض اطرافها فقط
لكن اخطر ما في المشهد ليس فقدان الثقة بل استمرار غياب المشروع البديل فالشارع يمتلك الغضب والطاقة والقدرة على التغيير لكنه يفتقد حتى اللحظة القيادة الوطنية المنظمة القادرة على تحويل هذا الرفض الشعبي الى قوة ضغط استراتيجية تفرض ارادة الناس على الطبقة السياسية دون الحاجة الى الذوبان داخل منظومتها الفاسدة
التجارب الحديثة اثبتت ان السلطة في العراق لا تستجيب للانتخابات بقدر ما تستجيب للضغط المنظم وحين تشعر القوى المتنفذة ان الشارع تحول الى كتلة موحدة تمتلك خطابا واضحا واهدافا محددة فانها تضطر الى تقديم التنازلات ولو مرغمة تماما كما حدث حين فرضت ظروف الشارع والتوازنات المعقدة شخصيات لم تكن جزءا من اللعبة التقليدية وكما جاء الزيدي وغيره بقرار فرضته الضرورات لا نتائج الانتخابات فان الشعب ايضا قادر على فرض معادلته الخاصة اذا امتلك القيادة الواعية والتنظيم الصلب
المطلوب اليوم ليس ان يكرر العراقيون اخطاء الماضي بالدخول الى لعبة تتحكم بقواعدها قوى تمتلك المال والسلاح والنفوذ والاعلام بل المطلوب بناء تيار وطني ضاغط يقف خارج الاصطفافات التقليدية ويعيد تعريف الشرعية السياسية على اساس تمثيل الناس الحقيقي لا على اساس عدد المقاعد والصفقات المغلقة
هذا التيار اذا نجح في جمع الجماهير حول مشروع وطني واضح فانه لن يكون مجرد حالة احتجاج عابرة بل سيتحول الى قوة ردع شعبية تفرض على الجميع احترام الارادة الوطنية وتمنع استمرار احتكار السلطة والثروة بيد طبقة سياسية استنزفت البلاد وانهكت المجتمع ودفعت العراق نحو الانقسام والضعف والفوضى
المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة انتخابات بقدر ما ستكون مرحلة صراع على تعريف من يملك حق تمثيل الشعب فعليا وهل يبقى القرار بيد منظومة تتقاسم الدولة منذ سنوات ام ينتقل الى شارع ادرك اخيرا ان صوته لا قيمة له ما لم يتحول الى قوة منظمة تمتلك رؤية وقيادة وهدفا واضحا
ولهذا فان الفرصة الحالية قد تكون الاخطر والاهم منذ عام 2003 لانها المرة الاولى التي تنكشف فيها العملية السياسية بهذا الشكل العاري امام الناس وتسقط فيها كل الشعارات التي استخدمت لتبرير الفشل والفساد والتبعية وحين تصل الشعوب الى هذه المرحلة فانها اما ان تعيد بناء مشروعها الوطني بوعي وقوة واما ان تبقى اسيرة دوامة الانهيار التي لا تنتهي .




