آخر الأخبار
ألمقالات

خدعة الحياة

خدعة الحياة

كتب رياض الفرطوسي

بينما تقضي الفراشة عمرها القصير في مطاردة الضوء، يختار الكثير منا أن يحبس نفسه داخل “كتالوك” جاهز للمعيشة. الفراشة تدرك بحدسها أن الاقتراب من الضوء قد يحرق أجنحتها، لكنها تجازف؛ لأنها تؤمن أن أبديتها متصلة بذاك الوهج، وأن الاحتراق ليس نهاية، بل هو نوع من الانبعاث الجديد وتحدٍ للظلام. في المقابل، يهرب الإنسان الحديث من أي “ضوء” قد يربك روتينه، مفضلاً العتمة الآمنة داخل قالبٍ يشبه التابوت، يسير به وسط الناس وهو يظن أنه حي، بينما هو في الحقيقة يكرر يوماً واحداً لآلاف المرات ويسمي ذلك عمراً.

الحياة في جوهرها هي “خلق” مستمر، لكن الواقع المعاصر حولنا إلى “موظفين” في أيامنا. نخشى الخروج عن النص المرسوم خوفاً من الفشل أو النقد، فنرتدي أقنعة تشبه الجميع، حتى ننسى ملامحنا الحقيقية. يقول الكاتب الألماني هرمن هيسه: “إن حياة كل إنسان هي طريق نحو نفسه”، لكن المشكلة أن معظمنا يضل الطريق في زحام التوقعات الاجتماعية، فيعيش حياة شخص آخر، ويمارس مهنة لا تشبهه، فقط لأن “هذا ما وجدنا عليه الناس”. نحن نتحول إلى جثث تمشي على أقدامها حين نتوقف عن الدهشة، وحين نرفض “الاحتراق” الجميل الذي تمارسه الفراشة في سبيل اكتشاف جوهرها.

إن الفرق بينك وبين تلك الفراشة هو أنها لا تخشى السقوط مادامت تحلق نحو هدفها، بينما يقضي الإنسان عمره محاولاً تجنب السقوط حتى لو كلفه ذلك البقاء عالقاً في القاع. الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر كان يرى أن الإنسان “محكوم عليه بالحرية”، وهي مسؤولية ثقيلة يهرب منها الكثيرون بالاختباء داخل القوالب الجاهزة؛ لأن القالب يوفر لك الأمان الوهمي، لكنه يسلبك المعنى الحقيقي. إننا نعيش في عصر “القطيع المتمدن”، حيث يُنظر إلى مجازفة الطيور كنوع من الجنون، ويُحتفى بالتابوت الذي يسير في خط مستقيم كنموذج للعقل والاتزان.

الحرية ليست شعاراً سياسياً، بل هي قرار يومي بأن ترفض أن تكون “معلباً”. هي أن تجرؤ على الاقتراب من ضوئك الخاص حتى لو شعرت بحرارته، وأن تدرك أن هذا التابوت الذي يسكنه الكثيرون ليس قدراً، بل هو زنزانة اختيارية جدرانها من الخوف. في نهاية المطاف، لن يسألك الكون كم يوماً عشت، بل سيسألك: كم مرة تجرأت فيها على التحليق؟ فالحياة لا تُقاس بعدد الأنفاس، بل بتلك اللحظات التي قررنا فيها أن نحترق من أجل فكرة أو شغف، لنولد من جديد بعيداً عن صرامة القوالب وبلادة التكرار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى