آخر الأخبار
ألثقافة والفن

من يومياتي | د. تهاني محمد

من يومياتي | د. تهاني محمد

كاتبة | عراقية

 

في تلك الليلة الماطرة قبل أيام، كنت أنا وفنجان قهوتي، نجلس منزويين في ذلك الركن البعيد من المقهى، حيث اهرب إليه من نفسي أحيانا كثيرة.

أطلب فنجان قهوة بلا سُكر، ثم أخدع نفسي وألعب معها لعبة الغميضة وأضيف إلى (فنجاني المُر) بعضاً من السكر، فقط لأُثبت لنفسي إن بإمكاني التحكم في الأحداث، وأن أصنع من العاقول والصُبار المُر حلوى غزل البنات.

خدعة تعلمتها مذ كنت طفلة، حيث كانت مرارة الأشياء تأتيني رغماً عن أنفي ودون طلب مني، بل وتحيط بي من كل جانب ثم تنمو وتنمو حتى تصبح عملاقا يستبيح الروح والقلب والأيام.

فأُلاعب العملاق الأسود الذي يلتهم طفولتي وحاضري، بأن أغمض جفنيّ عنه، وأمضغ قطعة علكة بالسكر، أو أمشي في شوارع طفولتي مشية القفز، تلك المشية التي تشبه الرقص فوق الجمر حيث تقفز قدم للأمام وتتبعها الأخرى.

العملاق المر بظله الأسود كان أوفى مَن مروا في حياتي، فهو لم يتخل عني أبدا، كلما كبرت في العمر كان يكبر معي ويزداد ظله اتساعا وقتامة.

وحين هممت بالخروج وأنا اتحسس لساني المضمخ بالمرارة والسُكر معا والعاجزين عن الإمتزاج مع بعضهما بعضا.

ولأن لايمكن للخدعة أن تُدفئ صقيع الحقيقة، مررت أثناء رحيلي بالمكتبة القابعة قرب باب الخروج الزجاجي الكبير لمول المنصور.

فوجدت (انتحار تكتيكي) غافيا هناك على الرف الخشبي للمكتبة الزاخرة بمالذ وطاب من الكتب.

فسألتُه بلسان أخرس (كيف حالك؟ أتشعر بالاغتراب واللاجدوى كصانعتك؟).

لكنه لم يجبني، ففهمت صمته الذي يشبه صمتي، ذلك الصمت اليائس الذي نلجأ إليه بعد أن يستنزفنا كثر الشرح لآذان تصم نفسها كي لا تسمع، فضلا عن أنها لاتُصغي أساسا.

ولأن خُدعة السُكر الطفولية ولعب الغميضة مع الوحوش والظلام والأقدار لن تغير مواقع النجوم في السماء ولن تُنبِتْ في رمل البيداء ريحانا.

بل كل ماستفعله هو أن تبتر لسانك أو أن يقرر من نفسه التقاعد المبكر لتصبح كائنا أبكم يصرخ بصوت لايٌسمع، وينتحب بدمعات لاتُرى.

حينها قررتُ أن أربت على كتف (انتحار تكتيكي)، ثم تركته غارقا في عزلته، تصنعتُ الغباء وسألت الشابة الجميلة بائعة الكتب عن روايتي التي عشقها القراء وأعاد قراءتها بعضهم عدة مرات وسكب آخرون الدموع فوق صفحاتها وأعينهم تلتهم السطور وهي تقص عليهم حكاية طالما أرقهم فيها سؤالٌ واحدٌ وهم يغلقون الكتاب بانفعالٍ شديد على سطور النهاية.

(هل هذه الرواية واقعية أم خيال؟!)..

لكن لا صانعة الرواية ولا أي أحد غيرها بإمكانه أن يمنحهم جوابا شافيا عن الفرق بين الحقيقة والخيال.

فالعملاق الأسود لم يكن خيالا، وخدعة المرارة والسُكر كانت واقعا، ومشية الرقص الطفولية الغابرة في الشوارع العتيقة لم توقف نمو العماليق ولم تمنع أمطار غيمة غاضبة من صب رصاصاتها عمدا على أشخاصٍ بعينهم دون سواهم.

وفي غمرة تأملي ذاك والذي استغرق ثوانيَ في حساب الزمن، وعقود طويلة في رأسي، جاءني صوت الشابة بائعة الكتب ممتلئا بالمرح والأمل والثقة في الأيام:

–لا، للأسف، لقد نفدت نسخ رواية مازلت أعشقها، لكن لدي روايات أخرى تشبهها، أتحبين أن تشتري إحداها؟.

–لا ،شكرا لك، ليس الآن على الأقل.

لكن فقط وددت أن اسالك سؤالاً أخيراً

–أكيد، تفضلي

–ما اسم كاتبة الروايتين هاتين، اتعرفينها؟

–رفعتْ عينيها للأعلى للحظات وهي تحاول التَذَكٌر، ثم أجابت سريعا:

الحقيقة لا، لا أذكر اسمها ولا أعرف من تكون.

ابتسمت لها وودعتُها. وخرجْت، فاستقبلتني سماء نيسان المتقلبة المزاج مثلي، تعصر غيماتها الحبلى المثقلة بالدموع فوق الشوارع، متحدة مع رياح عاصفة في غير أوانها المعتاد.

تأملت الطريق، لا أحد يسير على قدميه، الجميع يخشى البلل، والجميع يختبئ في حضن مركباتهم الفارهة ليحتموا من العاصفة، المطر، الدموع، البرد، الوحدة.

عندها فقط عدت بلا وعي مني إلى تلك الطفلة التي تلعب مع الوحوش لعبة المرارة والسُكر، وتمشي مشية القفز والرقص تحت المطر.

مشيت طويلا، مياه السماء تتساقط على رأسي ووجهي وجسدي بحدة وغضب، كنت أرفع رأسي للأعلى متحدية مبتسمة ابتسامة يأس لذيذ وأنا اهمس، هيا زيدي من ضراوتك، اغسلي ماعلق بي منك، لن اختبئ في مركبة ليست لي لأهرب منك، سعيدة بيأسي، سعيدة بابتلاع لساني، سعيدة بكوني المجنونة الوحيدة التي تسير مبتلة غارقة صامتة وحيدة لاتنتظر الثبات من سماء متقلبة المزاج، ولا أمان ودفء لم تلتق بهما يوما.

أنا خُلقت لأكون لعبة تتسلى بها الحياة، ولاحيلة لي أمامها سوى خدعة (المر والسكر)، والضحك اليائس في (مشية القفز والرقص تحت المطر).

ليس لأني لم أحاول تجربة طرق أخرى ممهدة للسير، بل فقط لأن الحياة تختار بدقة فائقة من تتسلى بهم، فترسل لهم غيماتها الغاضبة لتصب فوق رؤوسهم مطرها الأسود، وتوحِل تراب الطرق التي يسلكونها على اختلافها كي تُبقي رحلتهم عسيرة موحلة موحشة.

لكن مادمنا وصلنا لنهاية الرحلة، ومابقي أقل بكثير مما مضى، وما أشبه ما مضى بالآن، وكأنهما توأمان سياميان خُلقا بوجه قبيح زادته عمليات التجميل قبحا.

سأُكمِل ماتبقى من طريقي القصير الموحل ألعب الغميضة، وأتلذذ بخدعة المُر والسكر، أحمل في داخلي تلك الطفلة المعفرة الوجه بتراب الطرقات وبآثار مخالب الوحوش على وجنتيها وجسدها الطري، وأهمس لها:

أٌحبُك جدا، أنا معك لن أتركك أبدا، أشكرك لأنك صبرتِ، حاولتِ وتعثرتِ، كل مامضى لم يكن أخطاءً، بل محاولات للنجاة، والغريق لايُلام إن أمسكَ بظهور التماسيح طلبا لشهقة هواء تُنجيه من عذاب الموت غرقا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى