قراءة نقدية تحليلية للقصة القصيرة جدا (ما يتبقى بعد) حين يوثق الفناء فيُورث البقاء للقاصة إلهام عيسى| سعيدة بركاتي

قراءة نقدية تحليلية للقصة القصيرة جدا (ما يتبقى بعد) حين يوثق الفناء فيُورث البقاء للقاصة إلهام عيسى| سعيدة بركاتي
ناقدة | تونسية
القراءة:
قد يتبادر لذهن المتلقي سؤالا مثل الذي خطر ببالي كمتلقية : ما هو الفرق بين : ما تبقى بعد ، و، ما بقي بعد ؟
_ ما تبقى بعد : الفعل : “تبقى” فعل ماضٍ =» الدلالة : شيء انتهى وانقطع. “ما تبقى” : البقايا النهائية بعد حدث وقع وانتهى / فهي جملة تقريرية حاسمة / كأنك توثق ما خلّفته الكارثة بعد أن هدأت / فيها سكون و صمت رهيب ، يشبه سكون المقابر ( من ناحية الإحساس و الشعور ) : مثال : “ما تبقى ” بعد الحرب” : رماد ، ركام ، مشهد مأساوي ، و ما تبقى ” بعد العاصفة” : حطام ،أشجار اقتلعت من جذورها ، أسلاك كهربائية منقطعة ، انتهى كل شيء ، وهذا هو الملخص النهائي .
_ ما يتبقى بعد : الفعل: “يتبقى” فعل مضارع =» الدلالة : شيء مستمر و متجدد : “ما يتبقى” =» البقايا التي تظل تظهر لحظة بعد لحظة بينما الحدث لا يزال مستمرا / من ناحية الإحساس و الشعور: جملة مفتوحة على الإستمرار ، فيها قلق وتوجس و انتباه : الكارثة لم تنته ، وما زال هناك خوف من الفقد أو مزيد من الفقد .
مثال : “ما يتبقى بعد كل قصف : صمتٌ جديد” — القصف يتكرر، وكل مرة يخلّف بقية. و ما يترقبه بعد الزلزال ، الإرتداد .
كاستنتاج اول :
العنوان : “ما يتبقى بعد ققج ” بزمن المستقبل تكون دلالته أقوى ، فقد ورد : إن الخراب ليس حدثاً مغلقاً في ” الماضي” ، بل سيرورة مستمرة / الموت لا يزال ينتج موتاً ، والذاكرة لا تزال تمحو نفسها الآن . لو قلت “ما تبقى بعد” لأعطيت إحساساً بأن الكابوس انتهى ونحن الآن” نحصي الخسائر ” فقط ، لكن ” المضارع” “يتبقى” يضع القارئ داخل الكابوس وهو مستمر …
فالفرق بينهما يظهر في الزمن والدلالة . فالنتيجة : الماضي يوثّق نتيجة أما المضارع يوثّق مأساة لا تزال حيّة مستمرة .
القصة بين انهيار التقويم و جغرافيا ممسوحة :
تقول القاصة :
العمر: أرقامٌ في عدّاد الزمن : انزياح رهيب و مخيف / العمر لم يعد سيرة أو مراحل / صار رقماً ” ميكانيكياً ” على عداد موت . “الليل : كابوسٌ من رماد” : الليل عادة يعد زمناً للراحة ، بل صار مادة : رماد . الزمن نفسه احترق . =» النتيجة : تعطل الزمن الدائري الطبيعي “ليل/نهار / عمر/ذكرى” وحل محله زمن ” أفقي” من الخراب الأبدي ، أما المكان مُحي تدريجيا من الجغرافيا .”ضاقتِ الأرضُ” : الكون كله صار ضيقاً : المفارقة أن الموت وسّع المقابر وضيّق الأرض على الأحياء .”قرى زالت / و إحصاءُ السجلات عاجز” : الزوال هنا جغرافي و إحصائي /القرى لا تُهدم فقط ، بل تُشطب من السجل / حتى الوثيقة عجزت عن توثيق الفناء وهذا قمة العبث . “الشوارع: يغمرها السواد… الجدران : تئنّ تحت الركام” / أنسنة للمكان : الشارع غريق / الجدار جريح / المكان صار له ” جهاز عصبي ” يتألم : لأن البشر الذين كانوا يسكنونه وقع القضاء عليهم .
يتساءل القارئ أين الحبكة في الققج ؟ فلا وجود لحدث مركزي رئيس ، و لا بطل يدير الأحداث ، و القصة تفتقر إلى ” عقدة وحل ” ، فهي بُنيت على ” شظايا بدل الحبكة ” : كل ما هو موجود : متراكم كأنه أكداس تتكوم شيئا فشيئا : النص احتوى على جمل اسمية وصفت المشهد بكثافة : عائلات / العمر / الليل / الشوارع / الجدران / الذاكرة / : هذا التكديس اللغوي يحاكي تكدس الجثث والأشلاء في الواقع ، فالقصة نفسها صارت مقبرة جماعية من الجمل : غياب الفعل الحركي مقصود و هذا إبداع من قلم القاصة إلهام عيسى : لا أحد يفعل ، الكل يُفعل به ، الفاعل الوحيد : هو يد الموت والخراب .
أما الذاكرة فهي : “تمحو نفسها من هول ما ترى”: #أعمق_وأخطر جملة في النص : عادة الذاكرة تُمحى للنجاة و الخلاص لكن هنا الذاكرة هي التي ” تنتحر”/ الهول أكبر من قدرة العقل على التخزين و الاحتفاظ بالمشاهد ، فيختار العقل البشري الصمت حفاظاً على بقائه البيولوجي . هذا هو : “الصدمة التي تفوق اللغة”. عندما تعجز الذاكرة ، فلا تاريخ يُكتب ، و لا سجلات موجودة ، و لا ثأر يُأخذ ، حتى القصص و القصائد تعجز عن وصف المشهد . القاصة وضعت يدها على العلة لعلها تلملم جراحها …
أبدعت إلهام عيسى في انتقاء ” لغة القصة ” من قاموس ” بلاغة الخراب ” بكل حرفية القاص ،فقد استخدمت ” التعريف و التنكير بفطنة و ذكاء عال: “الأرض/ الموتى / المشافي / الليل / الشوارع / : كلها معرّفة بـ ” ال” ، كأنها صارت أسماء علم لكارثة واحدة يعرفها الجميع ، بينما “أشلاءُ مفخخات / عائلات / قرى / وردت نكرة لأنها باتت دون هوية /مجرد أعداد .
كما وردت في القصة ” أقوى و اعنف جملة ، كانت هذه الجملة : “نفقةِ ما تبقى من الكائنات” و خاصة كلمة “نفقة” العبء الثقيل في القصة و لو استطعنا تمثيلها بإيموجي لكان أتعس وجه على هذه البسيطة : كائنات أصبحت مصروف جنازة / عبء على ميزانية الموت .
قد ينتبه المتلقي لإيقاع النص و جمله الإسمية المختصرة و المكدسة إذا قرأ القصة بصوت عال : سيسمع ارتطام الركام داخل ” نص الققج” من خلال هيمنة حرف ” الكاف، ك” / 8 مرات : تكدست / كابوس/ الركام / الذاكرة / الكائنات / كنا وكانوا .
يدعمه حرف القاف : 3 مرات : ضاقت / تبقى / نفقة /
و حرف الطاء : شُطبت / الطغاة . و حرف الدال مرتين: العداد / الجدران .
يتضح جليا مما تقدم و في خلاصة لققج كانت فيها القفلة انتصارا أخلاقيا في وسط ” همجية وجودية” و في تسع جمل من الموت المطلق ، تأتي جملة وحيدة يتيمة فيها ضمير “نحن” و “هم”. “كنا وكانوا” اعتراف بالفناء المتبادل : الضحية والجلاد كلاهما إلى زوال . لكن الخاتمة “محالٌ أن يبقى الطغاة” هي فعل مقاومة لغوية ، في نص تفوح من بين كلماته رائحة الموت ، الجملة الوحيدة التي فيها يقين هي ” موت الطغاة ” : إلهام عيسى تنتزع الأمل من ركام اليأس ، ليس أملاً بالنجاة ، بل أملاً بالعدالة الإلهية : لا شيء يخلد ، حتى القتلة الطغاة . فالمشهد كان : شبيها بقبر جماعي شاهدته القاصة و نقلته بعينها المجردة في حالة دهشة و رعب و خوف فقد استخدمت ( و هذا ليس بالغريب عنها في الققج ) – التكثيف والانزياح – لتوثق اللحظة . المفارقة الكبرى أن الققج تعلن أنه “لم يعد بالإمكان استحضار فصول الحكايات” بينما هو نفسه حكاية . هو الحكاية التي تولد من رحم استحالة الحكي .
ماذا تبقى بعد كل هذا الخراب؟ #يتبقى النص :نص القصة كشاهد تخلده كل ذاكرة مرت به : و #يتبقى يقين واحد : الطغاة إلى زوال ، وهذا وحده اكبر انتصار .
هذه القصة الققج ليست سرداً بل هي صرخة موثقة من مشهد جنائزي مكتوب بضمير الجماعة المكلومة.
القصة:
ضاقتِ الأرضُ بين موتى ونفقةِ ما تبقى من الكائنات…
تكدّست في المشافي جثثٌ وأشلاءُ مفخخات…
لم يعد بالإمكان، من هولها، استحضار فصول الحكايات…
عائلاتٌ شُطبت، وقرى زالت، وإحصاءُ السجلات عاجز…
العمر: أرقامٌ في عدّاد الزمن…
الليل: كابوسٌ من رماد…
الشوارع: يغمرها السواد…
الجدران: تئنّ تحت الركام…
الذاكرة: تمحو نفسها من هول ما ترى…
كنا وكانوا… ومحالٌ أن يبقى الطغاة.



