آخر الأخبار
ألثقافة والفن

نسخة أخرى | سمية زكي البطاط

نسخة أخرى | سمية زكي البطاط

كاتبة وإعلامية | عراقية

 

يروق لي أن أتسلل كل ليلة إلى الشرفة بعد أن يهدأ كل شيء، وينام حتى السكون.

أجلس في زاويتي المعتادة، أُصغي إلى صوت اللاصوت، وأحرص أن أبقى ساكنة تمامًا، كأن أقل حركة مني قد توقظ الليل من تأمله.

 

أراقب القطط تنساب في العتمة بخفة كائنات خُلقت من الظل والحرير؛ تتحرك برشاقة على مخمل قوائمها وتتربع على كراسي الشرفات الأخرى بثقة المالك القديم، ثم تقفز إلى الأرض وتتمايل بين الأسيجة والأرصفة، قبل أن تعود فتحتل عروش كراسي الجيران كأن المكان بأسره كُتبت بأسمائها.

 

تخرج جارتي الهندية إلى شرفتها هي الأخرى

كأن بيننا وبين الوقت عهدًا سريًا لا يراه أحد.

تشعل سيجارتها، وتترك للدخان أن يرتفع ببطء، ملتفًا حول وجهها في هالة شاحبة من التأمل.

وحين ترفع أصابعها لتأخذ نفسًا، يصلني صوت أساورها الذهبية؛ رنين خافت، دافئ، يشبه ذكرى بعيدة لعرس قديم أو ضحكة انطفأت منذ زمن.

تمد بصرها نحوي، ترى جسدي الساكن في الشرفة المقابلة، وأراها أنا غارقة في وحدتها الهادئة.

 

ربما لها أبناء وبنات في مكان ما من هذا العالم، ربما تنتظر رسائل لا تأتي، أو أصواتًا انشغلت بالحياة عنها، أنا وهي نترك الليل أن يقول بوضوح: “نساء يتكئن على وحدتهن كمن يتكئ على جرح تعلّم أن يعيش معه”.

 

خلفها ضوء خافت يسمح لي أن أرى محتويات غرفتها:

مكتبة من خشب هندي محفور داكن تمتد على عرض الجدار، وكرسي طويل من ذلك النوع الذي يسمح للجسد أن يسترخي وللروح أن تسرح بعيدًا.

أتخيل الكتب التي تقرؤها، كتب ومؤلفات عن أساطير هندية، عن آلهة الحب والحرب، ومرة رأيتها في خيالي تقلب صفحات رواية حزينة عن امرأة انتظرت عمرًا كاملًا ثم قفزت إلى رحلة لم تكن ضمن حساباتها مطلقا.

وأحيانًا كنت أتصور أنها لا تقرأ شيئًا وأنها فقط تمسك الكتاب لتوهم نفسها أن هناك من يرافقها في هذا الليل.

في هذا الوقت، كان لكل شيء طعم مختلف.

طعم لذيذ تمامًا كطعم الدهشة.

 

النهار يقتطع الكثير من الهدوء؛، أصوات الناس، صخب الأعمال، الوجوه، المطالب الصغيرة التي لا تنتهي. لكن الليل… الليل كان يستعيد سلطته الكاملة، ليمنحها لي ولجارتي.

كنا امرأتين معلقتين بين شرفتين، بين صمتين، بين عالمين.

لا أحد من السكان كان يمارس هذه الهواية، ربما لا أحد جرّب لذة أن تنتظر العالم حتى ينام، ثم تستحوذ عليه وحدك دون منافسة.

 

مع الوقت صار بيننا طقس سري لا يعرفه أحد؛ هي في شرفتها، وأنا في شرفتي، بيننا ليل كامل، ومسافة لا تُقاس بالأمتار بل بما تركته الحياة في الروح من فراغات صامتة.

كانت تشعل سيجارتها في التوقيت ذاته، وأرفع أنا كوب الشاي كمن يشاركها طقسًا لا يحتاج إلى لغة.

لم نتبادل كلمة واحدة، لأن الصمت بيننا أكثر بلا.

في بعض الليالي، راودتني رغبة غريبة، شديدة الإنسانية: تمنّيتُ لو عدتُ إلى التدخين… لا حبًّا بالدخان، ولا حنينًا إلى تلك العادة القديمة، بل ليكون الاشتراك بيننا عادلًا تمامًا.

كأنني أردت أن ألتقط من وحدتها شيئًا، وأن أمنحها من وحدتي شيئًا مماثلًا.

أقلعتُ عن التدخين منذ أكثر من ست سنوات، ومع ذلك بدا لي أن الجسد لا ينسى كل شيء.

بعض العادات لا تغادرنا حقًا، بل تنام في الذاكرة في أطراف الأصابع، في الطريقة التي نرفع بها اليد إلى الفم، في ذلك الفراغ الصغير بين النفس والزفير.

أظن أن بعض العادات يتذكرها الجسد بمحبة مختلفة، محبة لا تتعلق بالفعل نفسه، بل بالزمن الذي كان يرافقه، بمن كنّا حينها، بماذا كنا نشعر،

وبمن كان يجلس معنا في تلك اللحظات.

أحيانًا لا نشتاق إلى العادة، بل إلى النسخة القديمة من أنفسنا.

كنت أنظر إلى أصابع جارتي وهي تحمل السيجارة، فأشعر كأن جسدي يتذكر وحده، بصمت حميم، ليالي بعيدة، شرفات أخرى، امرأة أخرى كنتُها يومًا ثم تركتها تمضي.

لكنني أدركت فجأة أن ما أشتاق إليه لم يكن الدخان، بل الصحبة.

ذلك الإحساس الغامض بأن أحدًا ما يشاركك حقيقتك في وقت لا يراقبك فيه أحد ولا يحكم عليك أحد ولا أنت مدان لأحد بشيء أو بتفسير..

في ليلة بدت أكثر صفاءً من سواها، رفعت جارتي بصرها نحوي طويلًا، ثم ابتسمت، كانت ابتسامة صغيرة، لكنها بدت لي كأنها تقول شيئًا أكبر من الكلام: لسنا وحدنا تمامًا.

في تلك اللحظة، لم أرَ امرأة هندية تقف في الشرفة المقابلة، بل رأيت انعكاسًا آخر لروحي.

امرأة نجت من شيء ما، تركت وراءها مدنًا، ووجوهًا، وربما أبناءً وحيوات كاملة، وجاءت إلى هذه الشرفة كي تتنفس ما تبقّى منها، وربما لهذا كنت أشعر بالقرب منها.

كأن الليل لم يجمع بين جارتين، بل بين امرأتين حملتا الخسارات نفسها بأسماء مختلفة.

هي تخرج وحدتها في هيئة دخان، وأنا أخرج في هيئة صمت، هي تصعد إلى السماء،

وأنا أستقر في صدري حتى اهدأ.

في تلك الليلة، فهمت شيئًا لم أفهمه من قبل:

“أن بعض الناس لا يدخلون حياتنا ليغيّروها، بل ليشهدوا على وحدتنا، كي تصبح أخفّ.”

ومنذ ذلك الحين، لم أعد أنتظر أن ينام العالم لأستحوذ عليه وحدي… بل لألتقي، في ذلك الركن الصامت من الليل،

بنسخة أعمق من نفسي تنتظرني في شرفة مقابلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى