آخر الأخبار
ألمقالات

هل تخلت واشنطن عن دول الخليج؟

‏هل تخلت واشنطن عن دول الخليج؟
‏محمد النصراوي
‏سؤالٌ يفرض نفسه بإلحاح على طاولة صناع القرار في العواصم الخليجية والعربية، هل لا تزال الولايات المتحدة تمتلك مشروعاً واضح المعالم في منطقة الشرق الأوسط، أم أننا أمام إدارة تتعامل مع ملفات المنطقة الحارقة بمنطق المراكب الضائعة التي تتحرك وفقاً لاتجاه الريح دون دفة محددة؟ إن الحوار الذي يدور في أروقة النخب السياسية والأمنية اليوم لا يتعلق بخلاف حول أسلوب إدارة ترامب فحسب، بل يتعلق بجوهر مفهوم الشراكة الاستراتيجية التي طالما شكلت العمود الفقري لهندسة الأمن الإقليمي لعقود مضت، إن التأرجح الواضح في الالتزامات الأمريكية، والذي يراه المراقبون ليس مجرد تكتيك تفاوضي بل بنية استراتيجية غائمة، يضع حلفاء واشنطن أمام معضلة وجودية، فكيف يمكن حماية الأمن القومي لبلد ما في ظل حليف يمنح الأولوية لصفقاته الداخلية على حساب أمن غيره؟
‏إن استعراض سجل السياسات الأمريكية في العقد الأخير يقدم تاريخاً قاتماً لما يمكن تسميته بسلسلة الخيانات الكبرى لدول الخليج العربي، تلك الدول التي ارتبطت عضوياً بالمظلة العسكرية والمالية الأمريكية منذ عقود، تبدأ فصول هذه الخيانات بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة أوباما مع إيران عام 2015، والذي اعتبرته عواصم الخليج طعنة في خاصرة الأمن الإقليمي، حيث تم إخراجهم من غرفة القرار مع منح طهران أموالاً طائلة فُتحت بها شهية التوسع في اليمن وسوريا والعراق، ولم تكن إدارة ترامب التي انسحبت من ذلك الاتفاق، أقل حيرة وارتباكاً من سابقتها بل ربما كانت سياساتها أكثر إيلاماً لأنها جاءت وسط وعود بتحالف صلب لا يهتز، وأتت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت قلب صناعة النفط العالمية داخل الأراضي السعودية لتكون لحظة فارقة في اختبار مصداقية الردع الأمريكي، لقد وقف العالم آنذاك يترقب رداً أمريكياً حاسماً على ضرب البنية التحتية للاقتصاد العالمي، لكن واشنطن اختارت أن تكتفي بتصريحات غامضة وعقوبات إضافية، بالنسبة للخليجيين، لم يكن الأمر مجرد عدم رد عسكري بل كان بمثابة إعلان واضح بأن الدم والنفط الخليجي ليسا بذات القيمة الاستراتيجية للدم والنفط الذي تهدده قواعد اللعبة الأخرى.
‏وفي نفس السياق، يتصاعد القلق في أروقة الدبلوماسية الخليجية إزاء الغموض الذي يكتنف مستقبل الترتيبات الإقليمية، وخاصة في حال الذهاب إلى تسوية كبرى بين القوى الدولية وإيران، يحذر المتحدثون في هذا السياق من تداعيات أي تفاهم أمريكي-إيراني مستقبلي قد لا يكتفي بالملف النووي بل يمتد ليشمل إعادة رسم معادلة الأمن البحري في الخليج ومضيق هرمز، إن المخاوف لا تنبع من وهم المؤامرة بل من تجارب ملموسة حيث تُعقد الصفقات فوق رؤوس الجيران الذين يدفعون الثمن أولاً، إن منح إيران نفوذاً أمنياً معترفاً به دولياً في أهم ممر مائي عالمي لن يكون مجرد خسارة استراتيجية لدول الخليج بل سيكون إعادة إنتاج لخارطة النفوذ الإقليمي على أسس تجعل دول مجلس التعاون مجرد هوامش في معادلة يحكمها العمق الاستراتيجي الإيراني، هذا الواقع يفرض على العواصم العربية ضرورة فك الارتباط الأحادي مع الرؤية الأمريكية وإعادة النظر في بنية تحالفاتها الأمنية، ليس بدافع الانسلاخ عن الغرب بل بدافع ملء الفراغ الهائل الذي تتركه السياسة الأمريكية المترددة، فلقد أصبح من الواضح أن التنسيق المسبق الذي طالما شكل أساس العلاقة الخاصة لم يعد موجوداً بل وحلت محله قرارات مفاجئة سواء في الانسحاب من سوريا أو تغيير الموقف من الحوثيين، مما يترك الحلفاء التقليديين في مهب الريح الإقليمية العاتية.
‏وإذا كان هذا هو حال العلاقة مع الحلفاء الخليجيين، أولئك الذين يستثمرون مليارات الدولارات في الاقتصاد والسلاح الأمريكي ويحتفظون باحتياطيات نقدية تدعم استقرار الدولار، فإن السؤال الذي يطرحه العقل السياسي العراقي يصبح أكثر وجاهة وألماً (ماذا عن العراق؟) إذا كانت واشنطن تتعامل بهذا القدر من الازدواجية والغموض مع شركاء استراتيجيين يمتلكون أوراق ضغط اقتصادية هائلة فما بالك ببلد ممزق مثل العراق لا يزال يحاول النهوض من تحت ركام الحروب والتدخلات؟ إن العراق يقف في منطقة التماس الأكثر سخونة بين النفوذ الأمريكي والإيراني، وهو حليف واشنطن النظري في الحرب على داعش لكنه في الوقت نفسه ميدان مفتوح لتسويات إقليمية لا يملك فيها سوى هامش ضيق من المناورة، الدرس المستفاد من التجربة الخليجية هو أن المظلة الأمريكية ليست مضمونة السقف وأن قرار الحماية لا يُمنح إلا في حالة واحدة أثبتتها عقود من السياسة الخارجية الأمريكية (حماية أمن إسرائيل) في هذا الملف بالذات تختفي كل الترددات والتأرجحات وتصبح السياسة الأمريكية واضحة كالشمس، حازمة كالسيف، وجاهزة لتوظيف كل ثقلها العسكري والدبلوماسي دون مواربة أو تردد، أما بقية الحلفاء في الشرق الأوسط فإنهم يتحركون في منطقة رمادية حيث يكون الدعم الأمريكي مشروطاً بغياب أي كلفة سياسية داخلية في واشنطن.
‏عندما نبحث عن المستفيد الحقيقي من هذه التحولات السياسية والفوضى الاستراتيجية التي تترك المنطقة عرضة لترتيبات دولية غير مضمونة، نجد الإجابة ليست في طهران وحدها ولا في موسكو وبكين اللتان تحاولان الصعود لملء هذا الفراغ، بل في حقيقة أن غياب المشروع الأمريكي الواضح يخلق بيئة خصبة لحروب الوكلاء وإعادة تشكيل الحدود الجيوسياسية دون أي رقيب دولي فعال، بالنسبة لدول الخليج والعراق، فإن قراءة الاحداث بدقة تعني أن الاعتماد الكلي على الرؤية المتذبذبة من واشنطن لم يعد خياراً عقلانياً، وأن الاستثمار في تنويع الشراكات الدولية وترتيب البيت الإقليمي من الداخل هو الضمانة الوحيدة في مواجهة شرق أوسط غدا اتجاه القوة العظمى فيه معطل بشكل متعمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى