آخر الأخبار
ألمقالات

مقصلة الوعي : هل الحداثة سكنٌ أم زنزانة؟

مقصلة الوعي : هل الحداثة سكنٌ أم زنزانة؟

كتب رياض الفرطوسي

في حوارٍ فاض بالشجن الحضاري مع الإعلامي والفنان المغربي عز الدين أحنين، برز سؤالٌ كالمبضع: هل أخطأنا حين توهمنا الشراكة في حداثةٍ لم نبذر بذورها؟ وهل هويتنا اليوم مخرجٌ للأزمات أم أنها تذوب “بالتقسيط” في جوفِ آلةٍ لا تعترف بنا إلا كأرقامٍ ومستهلكين؟

الحقيقة التي يهمس بها تاريخ الأفكار هي أن الحداثة الغربية لم تكن نزهةً عقلانية باردة، بل كانت “ثمرة جنونٍ” مقدس؛ فمن أينشتاين الذي قضى شطراً من حياته يصارع الهواجس، إلى نيتشه وفوكو وفان جوخ الذين سكنوا المصحات، وصولاً إلى ديريدا الذي رأى في عصابه النفسي قوارب نجاة من “القطيع”. لقد تأسست حداثة الغرب على التمرد، والشك، وتحطيم الأصنام، ودفع فلاسفتها أثماناً باهظة من سجن فولتير إلى مطاردة روسو. أما عندنا، فالمفارقة مبكية؛ إذ يتحول “الخبال” السياسي والفكري إلى زعامة ومشيخة، بينما يُوصم العباقرة والمتمردون بالمرض النفسي لإخراص آخر معاقل المقاومة. وكما يقول إريك فروم: “المجتمع المريض لا يتساهل مع الأصحاء”.

نحن اليوم نعيش “حداثةً عرجاء” بتعبير عبد الكبير الخطيبي؛ استعرنا لغة الآخر لنشكو بها أوجاعه هو لا أوجاعنا نحن. لقد تم حصرنا في “التوقيع” على مواثيق وقوانين دولية صِيغت بمداد المصالح الإمبريالية، وتحولنا إلى كائنات هجينة تستهلك المفاهيم كما تستهلك البضائع. إن “القاموس الاحتلالي” الذي يغير جلوده هو أخطر من الجيوش؛ فهو يتسلل إلى الفلكلور والثقافة الشعبية، بل وينصب فخاخه لأدباء كبار —أمثال نايبول وسلمان رشدي— الذين تبنوا نظرة المستعمر بلسانٍ محلي، غافلين عن “الحبال الطويلة” التي تشدهم من الخلف.

إن ما نعيشه مع الغرب ليس تشاركاً، بل هو “انفصام حضاري”؛ حيث احتكر المركز “حداثة الجوهر” (القوة والسيادة)، وترك لنا “حداثة المظاهر” (الاستهلاك والتبعية). وفي خضم هذا الانهيار، يقف القلة من المثقفين —أمثال إدوارد سعيد وفرانز فانون وهومي بابا— كحفنة من “المجانين” في نظر الغوغاء، لأنهم كشفوا زيف الشعارات البراقة التي تخفي خلفها أنياب التوحش الرأسمالي.

إن الهوية ليست متحفاً نختبئ فيه، بل هي قدرة على صياغة “عالمية بديلة” تنتزع الحق في التشريع والابتكار. الشراكة الحقيقية لا تكون بالانصياع لمواثيق الأمم المتحدة التي كُتبت بغيابنا، بل بالتمرد على دور “التابع” الذي خُيّل إليه أنه استقل لمجرد أنه يرتدي قشرة حداثية مهلهلة. الخروج من التيه يبدأ حين ندرك أن الحداثة فعلُ توليدٍ من رحم المعاناة والخصوصية، لا صكَّ غفرانٍ نشتريه من عواصم الضباب، لكي لا نكون مجرد أطرافٍ مشلولة في جسدٍ عالمي، الرأس فيه لغيرنا، والوجع لنا وحدنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى