من كلكامش إلى كيسنجر

كتب رياض الفرطوسي
منذ آلاف السنين، خرج كلكامش من أسوار أوروك بحثاً عن الخلود. كان ملكاً يملك القوة، لكن الموت باغته عبر رحيل صديقه إنكيدو، فأدرك أن سلطته لا تحميه من المصير المحتوم. سافر في البراري، قطع البحار، وتحدى الجبال، حتى وصل إلى الحكيم أوتنابشتم، ظاناً أن السر هناك. لكنه في النهاية عاد بخفي حنين، يحمل إدراكاً مُرّاً: الخلود ليس جسداً لا يفنى، بل أثر يبقى، وحضارة تُشيَّد، ومدينة تُبنى لتشهد أن أهلها مرّوا من هنا.
بعد آلاف السنين، يظهر رجل من طينة أخرى، لا يبحث عن الخلود، بل عن البقاء في لعبة السياسة الكبرى: هنري كيسنجر، مهندس التوازنات ومخرج الصفقات، الذي أدرك أن العالم لا يُدار بالعاطفة ولا بالنوايا الحسنة، بل بالمصالح التي تُحاك بخيوط دقيقة. في كتبه، من الدبلوماسية إلى القيادة، يكرر أن أي استقرار في الشرق الأوسط يمر عبر حل القضية الفلسطينية، لكنه يحرص أن يكون الحل وفق براغماتية تحافظ على اليد العليا لبلاده. وفي عبارته الشهيرة:
“قد يكون خطيراً أن تكون عدوّاً لأمريكا، ولكن أن تكون صديقاً لها، فذلك قاتل”،
يضع خلاصة نظريته في التعامل مع القوة العظمى.
كلكامش علّمنا أن الأثر هو البقاء، وكيسنجر يذكّرنا أن الرؤية هي السلطة الحقيقية. غير أن واقعنا العربي اليوم يخذل الدرسين معاً؛ فنحن لا نصنع أثراً يستحق البقاء، ولا نملك رؤية تصنع المستقبل. الأحداث تتسارع في منطقتنا لا لأنها من طبيعة الزمن، بل لأننا سلّمنا مفاتيح مصيرنا لغيرنا. لم تعد المسألة مؤامرة خارجية فقط، بل خيانة للذات، وتلذذ بالانصياع، حتى صرنا في نظر العالم المثال الأقصى للانبطاح السياسي، وأنتجنا دكتاتوريات مخيفة وظيفتها الأولى حماية الكيان المحتل وقمع شعوبها.
لقد نجح كلكامش في أن يخلّد اسمه لأن أسوار أوروك بقيت شاهدة على زمنه، بينما نحن نهدم أسوارنا بأيدينا، ونسلّم حجارتها لمن يكتب تاريخنا على هواه. ونجح كيسنجر في أن يحوّل أفكاره إلى سياسات صنعت واقعاً لعقود، بينما نحن نستهلك وقتنا في ردود أفعال متأخرة، ونتفرج على مستقبلنا يُرسم على موائد الآخرين.
الفرق بين كلكامش وكيسنجر أن الأول عاد إلى مدينته ليبني، والثاني قضى عمره ليخطط، بينما نحن لا نبني ولا نخطط. إن الخلود الذي نحتاجه اليوم هو مشروع يربط الماضي بالمستقبل، ويخرجنا من أسر اللحظة. أن نمتلك الرؤية التي تسبق الحدث، والإرادة التي تحوّلها إلى واقع. أن ندرك أن السياسة بلا أخلاق هي لعبة خطرة، لكن الأخلاق بلا قوة مجرد أمنيات.
من كلكامش الذي طاف الأرض باحثاً عن سر الحياة، إلى كيسنجر الذي جاب العواصم مهندساً لمصالح الإمبراطوريات، يمتد خط واحد: من يفهم معنى الزمن يخلّده، ومن يقرأ المستقبل يملكه. أما من يغفو على ضجيج الأحداث، فسيمر عليه التاريخ كما يمر على الأطلال.




