آخر الأخبار
ألمقالات

القيادة الغائبة

🔸 *القيادة الغائبة* 🔸
■ *الشيخ محمد الربيعي*
إني تاركٌ فيكم الثّقلين؛ كتاب الله حبلٌ ممدود من السَّماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنَّ اللَّطيف الخبير أخبرني أنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا ماذا تخلّفوني فيهما”.
وهذا الحديث الشّريف الذي يرويه المسلمون جميعاً باختلاف مذاهبهم، يوحي إلينا أنهما ينطلقان ليكون أحدهما في خطّ الرسالة حبلاً ممدوداً من السماء إلى الأرض، وربما كان هذا كناية عن الامتداد لكتاب الله سبحانه وتعالى في الكون ككلّ، لأنه كلام الله ووحيه، وهو خطّ الرسالة في مضمونها الفكري والشرعي والمنهجي والحركي، أما العترة، فهم الذين يمثلون القيادة، وقد جاء في أكثر من حديث: “بُني الإسلام على خمس، على الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والولاية، ولم ينادَ بشيء كما نودِيَ بالولاية”.
الولاية هي القيادة
والولاية تمثل القيادة التي تعيش رسول الله كلّه في معناه كلّه، كما تعيشه في العلم وفي الحركة وفي العصمة، من خلال الأحاديث التي ذكرها النبي(ص) بحقّ عليّ(ع): “أنا مدينة العلم وعليٌ بابها”، “علّمني رسول الله ألف باب من العلم، فانفتح لي من كلّ باب ألف باب”، “يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، إلا أنَّه لا نبيَّ بعدي”، وقول الله عزّ وجلّ فيهم جميعاً: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}.
والعترة تمثّل قيادة، والقيادة انطلقت في خطّين: القيادة الحاضرة، وهي قيادة الإمام عليّ(ع) وأولاده من الإمام الحسن(ع) حتى الإمام الحسن العسكري(ع)، والقيادة الغائبة بالنّسبة إلينا والحاضرة في المستقبل، وهي قيادة الإمام الحجّة المهدي(عج)، ولكنّ غيبتها غيبة حضور وليست غيبة غياب كلّي، وإن كنّا لا نعرف معنى هذا الحضور بالحسّ، ولكنّنا نعرفه بالوجدان.
لذلك، عندما يقول رسول الله(ص): “فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض”، فمعنى ذلك أنهما متلازمان، فلا يمكن لنا أن نأخذ الكتاب وننفصل عن العترة، كما لا يمكن أن نأخذ العترة وننفصل عن الكتاب، فهما يتكاملان في خطّ الرّسالة وخطّ القيادة.. ونحن نعرف أنّ عظمة الرسالة في حركيّتها هي في فاعليّة القيادة وحركيّتها وعناصرها الّتي تميّزها عن الآخرين.
لذلك، نحن نعيش الآن غيبته، ولكنّنا في الوقت نفسه، نعيش معنى حضوره في معنى الرسالة، ومعنى حضوره في معنى العترة من قبله، وفي معنى العناوين الكبرى التي أراد لها أن تتحقّق بشكل كلّي في عصره المستقبلي، وفي طبيعة المبدأ المستوحى من هذه العناوين.
لنقترب من الواقع أكثر، لنرى أنّنا هنا في هذه المرحلة من عصرنا، نلتزم الإسلام في منهج أهل البيت(ع)، ومنهج أهل البيت هو في كتاب الله وسنّة نبيّه، لأنه ليس لأهل البيت(ع) أية خصوصيّة زائدة عن خصوصية الإسلام، فهم ينفتحون على الإسلام كلّه، لا يزيدون فيه ولا ينقصون، لأنّ الإسلام في كتاب الله وسنّة رسوله كلمة الله، ونحن نعرف أنَّ رسول الله(ص) لم ينقص حرفاً ولم يزد حرفاً {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ* لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ* فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}. والنبيّ(ص) لا يفعل ذلك، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يوحي إلى النّاس من خلال ما تحدَّث به عن النبيّ(ص)، أنّ النبيّ، وهو حبيب الله، وهو سيّد خلق الله، لو فعل ذلك، و(لو) حرف امتناع لامتناع، لو فعل ذلك، لما كان هناك هوادة عند الله في أن يفعل به ذلك، فكيف بكم أنتم إذا أنقصتم حرفاً من الإسلام، أو زدتم حرفاً على الإسلام، والله يقول: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.
لهذا، لا بدّ لنا ـ أيها الأحبة ـ في التزامنا الإسلامي في منهج أهل البيت(ع)، أن نأخذ الكتاب كلّه، وأن لا ننقص منه حرفاً، وأن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، لنأخذ من الكتاب ما ينسجم مع ما نفكّر فيه ونترك منه ما لا ينسجم، بل لا بدّ لنا من أن نأخذ الكتاب كلّه، وأن نعمل به من خلال ظواهره الّتي أطلقها الله للناس ليفهموه، لأن الكتاب لم يأتِ ليكون كتاباً رمزيّاً، ولم يأتِ ليكون كتاباً لا يفهمه الناس، بل إنّه هو النور {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}. فالكتاب نور للحقيقة، فلا يحتاج إلى نور ينيره، وإذا رأينا الكثير من الفِرَق الّتي حاولت أن تلقي بظلماتها على الكتاب، فتنحرف به عن ظواهره وعن مدلوله، فإنها لا تستطيع أن تمحو هذا النّور، لأنّ نور الكتاب ينطلق من أجل أن يشقَّ هذه الظّلمات كلّها وهذه الضبابيّة

لذلك ـ أيّها الأحبّة ـ إنّ أول التزام بالإمام(عج)، هو أن نلتزم بالكتاب، وأن يكون القرآن كلّ شيء في حياتنا، أن نعيشه وأن نقرأه وأن نتدبّره وأن نعمل به، وأن نجعله عنواناً لثقافتنا ولسياستنا ولاقتصادنا ولاجتماعنا ولحربنا ولسلمنا، لأنّه يمثل العناوين الكبرى لذلك كله، وأن نلتزم العترة الذين التزموا الكتاب والتزموا النبي(ص)، لأنّ ما عندهم هو ما عند رسول الله(ص)، ولأن حديثهم هو حديث رسول الله، ولأنّ سيرتهم هي سيرة رسول الله..
لذلك، علينا أن ندرس العترة، وأن ندرس التراث الذي تركوه لنا مما صحّ منه، سواء كان تراث الكلمات التي تكلّموها، أو تراث السيرة التي ساروا عليها.. وإنّني أزعم ـ أيها الأحبة ـ أننا حتى ونحن نبكي عليهم في مآسيهم كلّها، ونفرح لهم في أفراحهم كلها، أزعم أننا حتى الآن لم نفم سرّ أهل البيت(ع)، ولم نفهم مناهجهم التربويّة والخطوط السياسية والخطوط الأخلاقية التي انطلقوا بها والقيم التي أثاروها.. إنهم بالنسبة إلينا دمعة نذرفها وفرحة نفرحها، أمّا غير ذلك، فإنّ الاتجاه العام في إثارة ذكرى أهل البيت(ع)، هو اتجاه تجميدهم في عقولنا، بدلاً من أن نحرّكها (أي الذكرى) حركة المسؤوليّة.
اللهم احفظ الاسلام واهله
اللهم احفظ العراق و اهله

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى