آخر الأخبار
ألمقالات

حدائقُ الغياب

حدائقُ الغياب

كتب رياض الفرطوسي

لا ينمو الأملُ الحقيقي في الحدائق العامة التي يقصدها السياح، بل ينبت في الشقوق التي تخلفها الزلازل في أرواحنا. إننا نولد بقلوب تشبه الخيول الأصيلة؛ تضيق بأسفلت المدن وتنتشي بوعورة الجبال. فما الجدوى من رحلة تبدأ في محطة قطار وتنتهي في أخرى، ما لم نكن نحن “العاصفة” التي تغير ملامح الطريق؟ السفر الحقيقي ليس عبوراً للمدن، بل هو تورط في المجهول، كما لو أننا نبحث عن “إيثاكا” لا توجد على الخريطة، بل توجد في تعب أقدامنا، وفي تلك اللذة الغامضة لانتظار ما لا يأتي.

هنا في هولندا، حيث يبتكر الربيع معجزته السنوية، أقف أمام حقول “التوليب”، لا كمتنزه، بل كلاجئ يبحث عن هوية. هذه الزهور التي تنفجر بالألوان ليست مجرد نبات؛ إنها “بيانات سياسية” ضد الرماد. أحتمي بتلك الكؤوس الملونة من “خريف الروح” الذي يلاحقنا في المنافي. أتساءل وسط هذا البهاء: هل تملك القصيدة أن تكون درعاً ضد الرصاص؟ هل يستطيع ديوان للشاعر “بودلير” أو صرخة من “أمل دنقل” أن ترمم ما هدمته آلة القتل في بيوتنا البعيدة؟

لقد صار العالم بشعاً لدرجة أن السلاح أصبح “فلسفة”، والموت “وجهة نظر”. وبينما يغرق السماسرة في عولمة الخيانة، يبيعون الأوطان في حقائب دبلوماسية كما تُباع السجائر المهربة، ننشغل نحن برتق ثياب ذاكرتنا الممزقة. في القاموس الجديد، صار السجان يكتب عن “الحرية”، وصارت حاويات النفايات تدّعي تأريخ مجد الشرفات العالية. يا لها من مفارقة موجعة؛ أن يطبّع العالم مع القبح، ويترك العشق يتيماً على قارعة الطرقات.

ماذا خلف زهرة التوليب؟ (زهرة “التوليب”: تيجانٌ من الضوء الملون، تحرسُ شموخَ الربيع، وتختصرُ في كؤوسها حكايةَ الانبعاث).
خلفها شتاء طويل من الانتظار، وشاشات باردة تحول مآسينا إلى أرقام صماء. قهوتنا التي نشربها في صباحات أمستردام ليست مجرد “كافيين”، بل هي محاولة أخيرة لاسترداد ملامحنا قبل أن تبتلعنا ضبابية الغربة. إننا نعيش في زمن “الأقنعة”، حيث الوجوه مجرد استعارات كاذبة، ونحن وحدنا من يجرؤ على الوقوف بعرينا الصادق أمام مرايا الحقيقة.

في المقاهي المنسية، نتحسس “أثر الفراشة” في داخلنا. الجرائد تنضح بالدم ذاته، والقتلة يغيرون ربطات عنقهم لا أكثر. لكننا، ورغم كل شيء، سنبقى نتشاكس كعصافير متمردة أمام غابات البنادق. سنغني فوق صقيع الثلاجات، وسنمدح الجمال بضراوة، لأن الانحياز للوردة في زمن القنبلة هو أسمى أنواع المقاومة.

ليس لنا وطن يسعنا، ولا منفى يطمئننا، لكننا نملك هذا الربيع الخاطف، ونملك “التوليب” الذي يذكرنا بأن الأرض، مهما جار عليها الظلم، لا تزال قادرة على الابتسام بلون أحمر قانٍ.. يشبه دمنا، ويشبه الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى