صناعة الواقع

صناعة الواقع
كتب رياض الفرطوسي
بعد أيام طويلة داخل تفاصيل ما يُسمّى بالفصل العشائري، لم أكن أخرج بصورة عن “عادات وتقاليد” بقدر ما كنت أخرج بسؤال ثقيل: من الذي يكتب هذا الواقع أصلاً؟
ما رأيته لم يكن مجرد أعراف متوارثة، بل نظام كامل من المعاني يعمل كآلة دقيقة لإنتاج الحقيقة الاجتماعية نفسها. كل شيء يبدو محكوماً بقواعد غير مكتوبة، لكنها أقوى من القانون المكتوب. هنا يقترب المعنى مما لمح إليه ابن خلدون حين رأى أن الاجتماع البشري لا يقوم على النصوص، بل على العصبية التي تصنع الدولة قبل أن تصنعها الدولة.
في هذا السياق، لا يبدو “الواقع” شيئاً جاهزاً، بل بناءً يتكرر يومياً. طقوس الصلح، توزيع الدم، منطق التعويض، كلها ليست تفاصيل هامشية، بل لغة كاملة تعيد تعريف العدالة وفق ميزان خاص بها، لا يشبه ميزان الدولة الحديثة إلا في الشكل الخارجي.
وحين ننظر إلى هذا المشهد من بعيد، قد يبدو وكأنه بقايا زمن قديم. لكن الاقتراب منه يكشف شيئاً آخر: نحن أمام نظام يشتغل بذكاء تاريخي، يعيد إنتاج نفسه عبر الرموز والهيبة والذاكرة. وهذا ما يجعل وصف ميشيل فوكو للسلطة كشبكة تتغلغل في التفاصيل اليومية أقرب إلى تفسير ما يحدث هنا، حيث لا تقف السلطة عند شخص أو موقع، بل تسكن في طريقة التفكير نفسها.
اللافت أيضاً أن هذا البناء لا يعيش في فراغ. فهو يتداخل مع اقتصاد، مع نفوذ، مع علاقات خفية تمتد إلى ما هو أبعد من المجلس العشائري نفسه. هنا يصبح الواقع شبكة طبقات متراكبة، لا طبقة واحدة. كما لو أن ما نراه على السطح ليس سوى واجهة لنظام أعمق، تتحرك فيه المصالح كما تتحرك التيارات تحت الماء.
والمفارقة أن هذا النظام لا يفرض نفسه بالقوة وحدها، بل بالقبول أيضاً. وهذا ما يجعل قراءة أنطونيو غرامشي عن “الهيمنة” حاضرة بقوة، حيث لا تحتاج السلطة إلى أن تُجبر الناس دائماً، يكفي أن تقنعهم بأن شكلها هو الطبيعي، بل الوحيد الممكن.
في المقابل، يظهر تفاوت صارخ بين من يجلس في موقع القرار ومن يعيش نتائج القرار. وجوه مرفهة واثقة، ووجوه أخرى مثقلة بالانتظار والقلق. ليس الأمر مجرد فرق اجتماعي بسيط، بل انعكاس لبنية توزيع قوة ومعنى، تعيد إنتاج نفسها بصمت طويل.
وحين يقال إن هذا هو “الواقع”، يبدو السؤال مشروعاً: أي واقع بالضبط؟
هل هو الواقع الذي يُرى في الواجهة، أم ذلك الواقع الآخر الذي يتحرك خلفها، حيث تتقاطع السلطة مع التاريخ، والمال مع العرف، والرمز مع المصلحة، في شبكة معقدة لا تُرى بسهولة ولا تُفهم من النظرة الأولى؟
ربما لهذا السبب تبدو فكرة “الواقع الواحد” فكرة مريحة أكثر مما هي دقيقة. فالواقع، كما يظهر هنا، ليس شيئاً يُعاش فقط، بل شيء يُصنع باستمرار، ويُعاد تشكيله كل يوم، من خلال اللغة، والسلطة، والقبول الاجتماعي، والخوف أحياناً، والتكيف غالباً.
في النهاية، لا يعود السؤال هو هل هذا حقيقي أم لا، بل كيف يُصنع هذا الحقيقي نفسه، ومن يملك حق إعادة صناعته كل مرة من جديد.




