آخر الأخبار
ألمقالات

مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه : حوارات علمية أم محاكمات أكاديمية..؟

بقلم / الاستاذ الدكتور  وليد حسن  الزيّادي

    تُعدّ مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه من أبرز المحطات المفصلية فيالمسار الأكاديمي للباحث، إذ تمثل ذروة سنوات طويلة من الجهد العلمي والبحثالمنهجي الدؤوب. وهي، في أصل فلسفتها، لحظة علمية رفيعة يُفترض أن تتجسد فيهاقيم الحوار الأكاديمي الرصين، والتقويم الموضوعي، والنقد البنّاء. غير أنّ واقع هذهالمناقشات يثير في بعض الأحيان تساؤلات مشروعة حول طبيعتها وحدودها: أهيبالفعل حوارات علمية هادفة، أم أنها تنقلب أحيانًا إلى ما يشبه المحاكمات الأكاديميةذات الطابع الاستعراضي أو الشخصي؟.

فالمناقشة العلمية ليست إجراءً شكليًا يُستكمل به المسار الدراسي فحسب، بل هيفعل علمي جوهري يهدف إلى اختبار كفاءة الباحث، ومدى استيعابه لمنهج البحثالعلمي، وقدرته على الإضافة المعرفية في ميدان تخصصه. بيد أن هذه الغاية الساميةقد تنحرف أحيانًا عن مسارها الصحيح، فتتحول المناقشة من حوار علمي متزن إلىمواجهة قاسية، تطغى فيها نبرة الاتهام أو النقد غير المبرر على روح الموضوعيةوالإنصاف.

ومن حيث المبدأ، ينبغي أن تقوم المناقشة الأكاديمية على أسس واضحة، في مقدمتهااحترام المنهج العلمي، وتقدير الجهد البحثي المبذول، وتوجيه النقد بقصد التقويموالتطوير لا التقويض. فدور لجنة المناقشة لا يقتصر على إصدار حكم بالقبول أوالرفض، بل يتعداه إلى اختبار قدرة الباحث على الدفاع عن خياراته المنهجية، ومناقشةنتائجه، والكشف عن مواطن القوة والضعف في عمله. وفي هذا السياق، تتحققالمناقشة بوصفها حوارًا علميًا حقيقيًا، يتبادل فيه الباحث والمناقشون الرؤى والأفكارفي إطار من الالتزام بأخلاقيات العلم وقيمه.

وعليه، فإن المناقشة العلمية الرصينة لا تعني الانتقاص من جهد الباحث، ولا النيل منشخصه أو التقليل من شأنه، بل تعني إخضاع العمل البحثي لتقويم نقدي عادل، يعترفبالإيجابيات كما يشير إلى مكامن القصور، بقصد الارتقاء بالمستوى العلمي للباحث. فليس الهدف من المناقشة أن “يُهزم” الطالب، بل أن يخرج منها أكثر نضجًا علميًا،وأعمق وعيًا بأدوات البحث ومتطلباته.

إلا أن الواقع الأكاديمي يكشف، في بعض الحالات، عن ممارسات تُفرغ المناقشة منمضمونها العلمي، إذ قد تتحول إلى ما يشبه “المحاكمة الأكاديمية”، حين يطغى النقدالحاد، أو السخرية المبطنة، أو التركيز المفرط على الأخطاء الشكلية واللغوية، علىحساب القيمة العلمية والفكرية للبحث. وفي حالات أخرى، يستغل بعض المناقشينمنصة المناقشة لإبراز تفوقهم المعرفي، أو لتصفية حسابات علمية سابقة، مما يخلقأجواءً من التوتر، ويُفقد المناقشة رسالتها التربوية والعلمية.

ويزداد هذا الإشكال وضوحًا في التخصصات الإنسانية والأدبية، حيث تتعدد المناهجوتتنوع القراءات، فيغدو التقييم أكثر عرضة للذاتية، ويصبح الباحث في مواجهة أحكاممتباينة قد لا تستند دائمًا إلى معايير علمية موحدة. وعندما تغيب هذه المعايير،تتحول المناقشة من نقاش علمي موضوعي إلى محاكمة رمزية يُقاس فيها الباحثبمدى انسجامه مع توجهات اللجنة، لا بمدى أصالة بحثه وجودته.

ومع ذلك، لا يصح تعميم هذا التوصيف على جميع المناقشات الأكاديمية، إذ لا تزالالعديد منها تحافظ على طابعها العلمي الرفيع، حيث يسود الاحترام المتبادل، ويُنظرإلى الباحث بوصفه شريكًا في إنتاج المعرفة، لا متهمًا يسعى لتبرئة نفسه. كما أسهمتطور الوعي الأكاديمي، وتزايد الاهتمام بأخلاقيات البحث العلمي، في الحد من بعضالممارسات السلبية، وتعزيز ثقافة الحوار والنقد المسؤول.

ومن هنا، تبرز تساؤلات جوهرية تستحق التوقف عندها: هل نحن بحاجة إلى إعادةالنظر في ثقافة المناقشات الأكاديمية؟ وهل آن الأوان لترسيخ تقاليد علمية تقوم علىالاحترام المتبادل، والنقد الهادف، وتقدير الجهد البحثي؟.

إن الرقي الأكاديمي لا يتحقق باستعراض السلطة العلمية، ولا بإقصاء الباحث أوإخضاعه لمحاكمات رمزية، بل يتحقق بإشاعة روح المعرفة، والتواضع العلمي، والإيمانبأن العلم يُبنى بالحوار الهادئ والمثمر، لا بالتجريح أو التعسف.

وخلاصة القول، إن مناقشات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه ينبغي أن تكونفضاءات للحوار العلمي البنّاء، لا ساحات لمحاكمات قاسية. فهي ليست منصة لإصدارالأحكام بقدر ما هي فرصة لتقويم البحث، وصقل شخصية الباحث العلمية، وترسيخقيم النقد الموضوعي. ويبقى تحقيق ذلك مرهونًا بوعي الأساتذة، ونزاهة اللجان،وقدرة المؤسسات الأكاديمية على ترسيخ تقاليد علمية عادلة ومنصفة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى