آخر الأخبار
ألثقافة والفن

حسن حنتوش… موهبة في وطن لا يجيد استثمار المواهب | سمية زكي البطاط 

حسن حنتوش… موهبة في وطن لا يجيد استثمار المواهب | سمية زكي البطاط

كاتبة وإعلامية | عراقية

 

من البصرة حيث الجنوب بثقله الإنساني وهدوئه العميق، الى بغداد العاصمة؛ لم تكن مجرد رحلة او انتقال جغرافي، بل كانت محاولة جادة للبحث عن مساحة تليق بشغفٍ لا يقبل أنصاف الحلول، في زمن تتكرر فيه الوجوه وتتقارب فيه الأداءات، اختار الفنان “حسن حنتوش” أن يغامر بطريق مختلف، طريق يقوم على الصدق قبل أي شيء آخر.

خلال سنوات قليلة، استطاع “حنتوش” أن يفرض نفسه كحالة فنية لافتة، ليس بكثرة ظهوره، بل بنوعية الأدوار وبقدرته على التقمص الحقيقي.

تنقل بين الأدوار العاطفية والاجتماعية وأدوار الشر، دون أن يقع في فخ النمط الواحد أو التكرار، وكأنه بذلك يختبر في كل مرة حدودًا جديدة لنفسه، ويعيد تعريف ما يمكن أن يقدمه الممثل العراقي.

هذا النضج لم يأتِ دفعة واحدة. فالفنان نفسه يعترف أن ما قدمه قبل 2024، لم يكن يرضيه بالكامل، ولكن تحديدًا عندما قدم “مسلسل وطن، 2025 ” بدأت ملامح التحول تظهر بوضوح، عبر أعمال مختلفة مثل مسلسل “مالك” “والعريش” وصولًا إلى حضوره المختلف في وتجربته اللافتة في برنامج “مخلمة” حيث كشف جانبًا آخر من موهبته في الكتابة والتأليف الكوميدي.

 

لكن الذروة الحقيقية لهذه التجربة جاءت في مسلسل “يحيى” الذي قدم فيه حسن شخصية مختلفة تماما تحاكي ما يتسرب إلى المجتمع العراقي من ثقافات جديدة تكاد تكون غير مألوفة باعتباره مجتمعا يقترب جدا إلى فكرة الاتزام ثم مسلسل “صفر واحد” الذي عُرض في رمضان

2026، حيث قدّم “حنتوش” واحدًا من أكثر أدواره تعقيدًا. لم يكن أمام شخصية واحدة، بل أمام تركيب نفسي بثلاثة وجوه: رجل بسيط يبدو كصانع خبز عادي، وإنسان مكسور يحمل داخله آثار الماضي وما يخبئه من تعنيف وتهميش، وشخصية ثالثة تنفجر داخل جدران المنزل عنفًا وقسوة، تمارس الاضطهاد على زوجته الأرملة وابنها، في مفارقة مؤلمة بين المظهر والجوهر.

هذا الأداء لم يكن استعراضًا، بل مواجهة صريحة مع الجانب المظلم في النفس الإنسانية. والأكثر لفتًا أن هذا الثقل لا يشبهه في حياته اليومية، حيث يُعرف كشاب مسالم وهادئ.

وفي حديث خاص، يقول:

“أردتُ للمشاهد أن يكرهني… هذا الدور أتعبني جدًا، لكن لا مهرب من الصدق. كان عليّ أن أُقنع المتلقي أنني مجرم، خبيث، متسلط… وربما مريض نفسي أيضًا.”

 

بهذا المعنى، يتجاوز حنتوش فكرة “الأداء الجيد” إلى ما هو أعمق: تمثيل يلامس وظيفة الكشف، كأن الفنان هنا لا يؤدي دورًا، بل يفتح نافذة على تعقيدات النفس البشرية، أقرب في أثرها إلى عمل معالج نفسي يعرّي ما نحاول إخفاءه.

 

لكن، ورغم كل ذلك، يبقى السؤال الأهم:

هل تكفي موهبة فردية لإحداث فرق في بيئة لم تتغير على مدى عقود؟ حيث ظلت الدراما العراقية أسيرة قوالب كلاسيكية، تُعيد إنتاج نفسها بأسماء مختلفة. مدرسة أكاديمية تُقدَّم بوصفها “أصيلة” لكنها في كثير من الأحيان تحولت إلى مرجعية مغلقة، تقيس النجاح بمدى الالتزام، لا بمدى الجرأة على التجديد.

ولنكن أكثر جرأة ونعترف أن الفن لا يعيش في الماضي… بل يتجاوزه.

ولو تخيلنا اليوم على سبيل المثال عودة “مارلين مونرو” بنفس أدواتها القديمة، لربما بدت مبالغًا فيها أمام حساسية أداء حديث كما لدى “جواليا روبرتس” ليس لأن الأولى أقل قيمة، بل لأن الزمن نفسه تغيّر، ومعه تغيرت لغة التعبير، وهنا تكمن الإشكالية في العراق: “كل شيء يتغير… إلا الفن”

 

نحن أمام مسؤولية لا تقل أهمية عن أي مشروع وطني آخر. فدعم الفنانين أمثال حسن حنتوش لا يجب أن يبقى في حدود الإعجاب وأدوار موسمية، ضمن أعمال تمول بشق الأنفس هذا ان توفر التمويل، في زمن تحول فيه كل شيء وأصبحت الحياة تحتاج لإعادة نظر.

نحن بحاجة إلى اتخاذ خطوات جريئة لخلق بنية حقيقية لتمكين الفنان: تمويل، ورش عمل وتدريب، إنتاج، احتكاك، واستثمار جاد في الإنسان الموهوب. لأن الأوطان لا تُبنى بالأمنيات… بل بمن يملكون الشجاعة لكسر القوالب. وحسن حنتوش… واحداً من هؤلاء..

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى