الْخَوْفُ مِنَ النُّورِ | د. عبد الرحيم الشويلي

الْخَوْفُ مِنَ النُّورِ | د. عبد الرحيم الشويلي
قاص | عراقي
لَمْ يَكُنْ يَجْهَلُ شَيْئًا، بَلْ كَانَ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
فِي أَيَّامِهِ الْأُولَى، كَانَ يَقِفُ تَحْتَ الشَّمْسِ طَوِيلًا، يَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ كَأَنَّهَا صَدِيقٌ قَدِيمٌ، وَيُقْسِمُ أَنَّ النُّورَ لَا يُؤْذِي… بَلْ يُنْقِذُ. كَانَ النَّاسُ يُصَدِّقُونَهُ، لِأَنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا مَفْتُوحَتَيْنِ عَلَى اتِّسَاعِهِمَا.
ثُمَّ… لَا أَحَدَ يَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ الظِّلُّ يَكْبُرُ.
قِيلَ: مَنْصِبٌ جَدِيدٌ،وَقِيلَ: سِرٌّ قَدِيمٌ عَادَ لِيَطْرُقَ بَابَهُ،
وَقِيلَ: خَافَ أَنْ يَخْسَرَ مَا بَنَاهُ مِنْ صُورَةٍ نَاصِعَةٍ.
فِي الْبِدَايَةِ، لَمْ يُطْفِئِ النُّورَ، بَلِ اكْتَفَى بِأَنْ يُغْلِقَ نَافِذَةً صَغِيرَةً…
ثُمَّ أُخْرَى…
ثُمَّ قَالَ: “الضَّوْءُ الْكَثِيرُ يُتْعِبُ الْعَيْنَيْنِ.”
ضَحِكَ النَّاسُ… وَصَدَّقُوا.
مَعَ الْوَقْتِ، صَارَ يُحِبُّ الْغُرَفَ الْمُعْتِمَةَ، يَجْلِسُ فِيهَا طَوِيلًا،
وَيَتَحَدَّثُ عَنِ التَّوَازُنِ بَيْنَ النُّورِ وَالظَّلِّ، كَأَنَّهُ اكْتِشَافٌ عَظِيمٌ.
وَكُلَّمَا دَخَلَ شَخْصٌ بِوَجْهٍ مُضَاءٍ،
اِنْزَعَجَ، وَقَالَ لَهُ بِلُطْفٍ:
“اخْفِضْ صَوْتَكَ… النُّورُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى كُلِّ هَذَا الضَّجِيجِ.”
وَفِي يَوْمٍ، فَتَحَ أَحَدُهُمُ السِّتَارَةَ دُونَ إِذْنٍ.
اِنْدَفَعَ النُّورُ دَاخِلًا…
صَافِيًا… فَاضِحًا… لَا يُجَامِلُ.
تَرَاجَعَ خُطْوَةً، ثُمَّ أُخْرَى، وَرَفَعَ يَدَهُ لِيُغَطِّي عَيْنَيْهِ…
لَمْ يَصْرُخْ، لَمْ يَغْضَبْ، بَلْ أَمَرَ بِإِغْلَاقِ السِّتَارَةِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَقَفَ أَمَامَ الْمِرْآةِ طَوِيلًا.
حَاوَلَ أَنْ يَتَذَكَّرَ شَكْلَ النُّورِ فِي عَيْنَيْهِ…
فَلَمْ يَسْتَطِعْ.
كَانَ الظِّلُّ قَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِمَا.
لَمْ تَكُنِ الْمَأْسَاةُ فِي غِيَابِ النُّورِ…
بَلْ فِي أَنَّهُ، حِينَ بَلَغَهُ النُّورُ،
اخْتَارَ الْعَمَى..!!




