آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ألحانُ سيدوري الثَّملة… 

ألحانُ سيدوري الثَّملة…

(حين تتحوّل الخيبة إلى موسيقى سردية لا تُنسى)

 

صدر عن دار نوافير للطباعة والنشر المنجز السردي الجديد للروائي شوقي كريم حسن بعنوان «ألحان سيدوري الثملة»، وهو عمل سردي يضم خمسًا وعشرين مسرودة قصصية تنتمي إلى الكتابة الحديثة التي تتجاوز الأشكال التقليدية للحكاية، لتصنع نصًا مفتوحًا على التأويل، ومشحونًا بالشعرية والدهشة والانكسار الإنساني.يحمل العنوان ذاته دلالة عميقة ومثيرة؛ فـ«سيدوري» ليست مجرد اسم عابر، بل إحالة رمزية إلى الشخصية الأسطورية المرتبطة بالحكمة والعبور والبحث عن المعنى، بينما تأتي «الثملة» بوصفها استعارة للتيه الوجودي والاضطراب الداخلي، وكأن الكاتب يضع القارئ منذ العتبة الأولى أمام نص يحتفي بالقلق الإنساني، ويحوّل الخيبة إلى نغمة، والانكسار إلى سرد.في هذا العمل، لا يقدّم شوقي كريم حسن قصصًا تقليدية ذات بدايات ونهايات واضحة، بل يبني عوالم قصيرة مكثفة، تعتمد الإيحاء أكثر من التصريح، والصمت أكثر من الضجيج، والجرح الداخلي أكثر من الحدث الخارجي. هنا تتحول اللغة إلى كائن حيّ، نابض بالشعر والرمز، وتصبح الجملة نفسها جزءًا من البناء النفسي للنص.تتناول المسرودات ثيمات الخيبة، العزلة، الجسد، الذاكرة، الزمن، الحب المكسور، والإنسان المهزوم أمام ذاته قبل العالم. وهي موضوعات تمسّ جوهر التجربة العراقية والعربية المعاصرة، حيث يعيش الإنسان وسط انكسارات متراكمة، وحروب داخلية لا تقل قسوة عن الحروب الخارجية.

 

تكمن أهمية «ألحان سيدوري الثملة» في كونه يقدّم مشروعًا سرديًا مختلفًا داخل المشهد العراقي، إذ يذهب نحو التجريب الفني الحقيقي، لا بوصفه شكلاً زخرفيًا، بل كضرورة جمالية وفكرية. فالكاتب يراهن على النص العميق، لا النص السهل؛ وعلى القارئ الشريك، لا المتلقي العابر.كما يساهم هذا العمل في تعزيز حضور القصة القصيرة الحديثة بصيغتها المفتوحة، ويمنح السرد العراقي مساحة جديدة للتحرر من القوالب الجاهزة، عبر لغة مكثفة، ورؤية فلسفية، وبناء داخلي يعتمد الحساسية النفسية والاشتغال على التفاصيل الصغيرة التي تكشف المأساة الكبرى.عربيًا، يمكن النظر إلى هذا العمل بوصفه امتدادًا لتيار سردي جديد يعيد الاعتبار للنص القصير بوصفه فضاءً للتأمل والاختبار الفني، بعيدًا عن الاستهلاك الحكائي المباشر. وهو بذلك يضع اسم شوقي كريم حسن ضمن الأصوات السردية التي تبحث عن بصمتها الخاصة، لا عن تكرار المألوف.

إن «ألحان سيدوري الثملة» ليس كتابًا يُقرأ ، بل تجربة شعورية تُعاش؛ نصٌّ يهمس أكثر مما يصرخ، ويترك أثره في الداخل لا في الذاكرة العابرة. إنه عمل يكتب الخيبة بلغة الجمال، ويمنح الحزن شكلًا فنّيًا نادرًا، ويؤكد أن الأدب الحقيقي لا يروي ما حدث فقط، بل يكشف ما كان مختبئًا خلفه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى