حِينَ يُزهرُ القلبُ قصائدَ: قراءة في ديوان (يُخلق من الشبه ياسمين) للشاعرة ميادة مهنا سليمان | سعيد محتال

حِينَ يُزهرُ القلبُ قصائدَ: قراءة في ديوان (يُخلق من الشبه ياسمين) للشاعرة ميادة مهنا سليمان | سعيد محتال
ناقد | مغربي

يُعدّ النص الشعري المعاصر مغامرةً في استنطاق الوجدان، ومحاولةً لإعادة ترتيب العالم من منظور عاطفي مغاير.
وفي هذا السياق، تأتي تجربة الشاعرة السورية ميادة مهنا سليمان في ديوانها “يُخلق من الشبه ياسمين”، لتؤكد أن القصيدة ليست مجرد رصفٍ للكلمات، بل هي انبعاثٌ لغويّ يتخذ من الحب مادةً للخلق ومن الياسمين هويةً وذاكرة.
ينبري هذا المقال النقدي لاستجلاء مكامن الجمال في هذا الديوان، متتبعاً أثر الومضة الشعرية، وكيمياء التكثيف التي صيغت بها نصوصه، لاستكشاف كيف يتحول النبض الشخصي إلى لغة إنسانية كونية.
في هذه الومضات، تكتب الشاعرة عن الحبّ بوصفه طاقة خلق، لا مجرد حالة شعورية عابرة، فمنذ الإهداء إلى دمشق، واستحضار جبل قاسيون وياسمين المدينة، يتشكّل فضاء رمزي يجعل العاطفة ممتدةً في الذاكرة، والمكان والهوية؛ فالحب هنا ليس علاقة بين “أنا” و”أنت” فقط، بل هو جسر يربط الذات بموطنها الأول، وبالطفولة والقصيدة.
وقد مثّل الحب أحد الموضوعات المركزية في الشعر العربي قديمه وحديثه، غير أن تحوّلات الكتابة الشعرية المعاصرة أفرزت أنماطا جديدة في تمثيله، خصوصا ضمن الأشكال الشعرية القصيرة التي تراهن على الاقتصاد اللغوي وكثافة الدلالة (1) أدونيس: زمن الشعر، دار العودة، بيروت.
كما هو شأن الديوان قيد الدراسة، فهو لا يكتب الحب بوصفه موضوعًا غزليًا فحسب، بل بوصفه قوة توليدية للقصيدة؛ إذ تصبح الكتابة ذاتها إحدى ثمار التجربة العاطفية.
حيث يعتمد الديوان شكل الومضة الشعرية؛ نصوص قصيرة، مكثفة، تنتهي غالبًا بمفارقة أو انزياح دلالي يفتح المعنى على أفق أوسع، كل ومضة تشبه ياسمينة: صغيرة، لكن عطرها طويل الأثر.
فحين تقول الشاعرة:
“مُذْ أحببتُكَ/ أزهَرَ قلبي/ قصائدَ”.
نجد أن الحب يتحوّل إلى فعل إنبات، والقلب إلى حديقة، والقصيدة إلى ثمرة طبيعية لذلك العشق.
فهي تؤسس لمعادلة جمالية واضحة:
الحب = ازدهار = كتابة.
أي أن القصيدة ليست نتيجة للحب فحسب، بل هي أحد تجلياته الحيوية.
والقلب هو البطل الحقيقي للنصوص، إنه ليس عضوًا بيولوجيًا، بل كيانًا رمزيًا:
يُفتح ويُغلق، يُعتقل ويُفرج عنه، يُبنى فيه بيت الحب “قبلةً… قبلةً”.
هذه الأسطرة للقلب تمنح النصوص طابعًا حميميًا، وتجعل التجربة شخصية جدًا، لكنها في الوقت نفسه قابلة لأن يتماهى معها أي قارئ.
هذا الاشتغال المكثّف يحوّل القلب إلى مدينة رمزية، مكتظة بالعشق والخصام والكبرياء.
إنه فضاء دلالي جامع، يختزل الذات والآخر والعالم. هذا التحويل المجازي يندرج ضمن ما يسميه بول ريكور “الاستعارة الحيّة”، حيث لا تكون الاستعارة مجرد زخرف لغوي، بل آلية لإنتاج المعنى وإعادة تنظيم التجربة الإنسانية (2) سطوة الاستعارة الحية بعد المنعطف اللغوي ومولد الابتكار الدلالي، زهير الخويلدي، الحوار المتمدن-العدد: 6527 – 02 / 04 / 2020.
ومن اللافت حضور الأنوثة بوصفها حساسية لغوية أكثر من كونها موضوعًا مباشرًا.
الأنوثة هنا خجولة أحيانًا، ساخرة أحيانًا أخرى، واثقة من قدرتها على إعلان رغبتها:
“سأرشّح نفسي لمنصب حبّك/ فمن ذا يفوز علَيّ؟”.
إنها كتابة تعرف كيف تمزج الرقة بالجرأة، والطفولة بالكبرياء. كما تتكرر جدلية الخصام والاشتياق، فيبدو العشق في حالة شدّ دائم بين الغيرة والتسامح، بين الكِبر واللهفة، غير أن الاشتياق ينتصر في النهاية، لأن اللغة نفسها تنحاز إليه، فالقصيدة لا تُكتب إلا حين يفيض القلب.
يمتاز الديوان بلغة شفافة، قائمة على الاستعارة والتشخيص، حيث تتحوّل التفاصيل اليومية –الصباح، القبلة، المرآة، النافذة –إلى رموز لعالم داخلي نابض، وهنا تكمن قوة النص:
في قدرته على تحويل البسيط إلى شعري، واليومي إلى استثنائي.
في المحصلة، يقدّم لنا الديوان تجربة حبٍّ تُكتب بعطر الذاكرة، وبياض الياسمين.
ديوانٌ يراهن على الكثافة، ويؤمن أن القصيدة قد تكون أقصر من تنهيدة، لكنها أبقى من ألف قبلة.
أولا: الحقول الدلالية وبنية التقابل.
إذا نظرنا إلى الديوان بوصفه بنيةً مغلقةً على قوانينها الداخلية، فإننا نلحظ انتظامًا واضحًا لعدد من الحقول الدلالية المركزية:
1–حقل القلب: قلب، نبض، شغاف، صدر، خفق.
2–حقل الكتابة: قصيدة، حروف، لغة، كتابة، ديوان.
3–حقل الطبيعة: ياسمين، فراشات، مطر، شمس، ربيع، غابة.
4–حقل الطفولة: طفل، شقاوة، حلوى، عيدية.
هذه الحقول لا تعمل منفصلة، بل تتقاطع لتنتج شبكة علاقات داخلية، بحيث يصبح:
القلب = حديقة
الحب = زرع
القصيدة = زهرة/ قبلة
بمعنى أن البنية العميقة للنص تقوم على معادلة التحويل:
الانفعال العاطفي يتحول إلى إنتاج لغوي.
كما تتأسس النصوص على ثنائيات تقابلية تحكم حركتها الدلالية:
قطب أول/ قطب ثان
الخصام/ العناق
الكبرياء/ الاشتياق
الغياب/ اللقاء
الصمت/ القصيدة
غير أن البنية لا تظل متوازنة؛ إذ تميل دائمًا إلى ترجيح قطب الحب والاشتياق، مما يجعل النسق العام للديوان نسقًا احتفائيًا، لا تراجيديًا.
ثانيا: العلامة ورمز الياسمين
عنوان الديوان الذي اختارت أن تسميه صاحبته يؤسس لبؤرة سيميائية مركزية::
“يُخلق من الشبه ياسمين”
الياسمين هنا علامة مركّبة، تحيل إلى:
*الطهر
*الرائحة غير المرئية (الحضور الخفي)
*الانتماء المكاني (إهداء إلى دمشق).
بهذا المعنى، يتحول الياسمين إلى دالٍّ على الحب حين يتجسّد في اللغة.
كما أن تكرار مفردة “القلب” يجعلها علامة كبرى داخل النص، تتحرك بين مدلولات متعددة:
-مكان
-وطن
-مسرح
-بيت
-حقل
تعدّد المدلولات هذا يمنح العلامة كثافة رمزية، ويجعل القلب مركز شبكة المعنى.
أما القبلة، فتؤدي وظيفة العلامة الإنجازية؛ فهي ليست فقط دالا على الحميمية، بل أداة إنتاج:
القبلة ← قصيدة
القصيدة ← خلود رمزي للحب
ثالثا: التكثيف والانزياح
من الناحية الأسلوبية، يعتمد الديوان على:
1–الجملة القصيرة
البنية التركيبية تقوم غالبًا على:
فعل مضارع + فاعل مؤنث/ ضمير + مفعول مجازي.
وهو ما يخلق إيقاعا سريعا متدفقا، يتناسب مع شكل الومضة.
2–الانزياح الدلالي
تعتمد النصوص على خرق التوقع، مثل:
“سأرشّح نفسي لمنصب حبّك”
“قلبي مدينة حب مكتظة بك”
يتم نقل مفاهيم سياسية أو عمرانية إلى الحقل العاطفي، وهو انزياح يخلق طرافة وجمالية.
3–التشخيص
تُمنح الموجودات صفات إنسانية:
-الصباح كسول
-الحب يجلس في المقعد الخلفي
-الحنين يثقّب القلب
هذا التشخيص يرسّخ البعد الحركي للنص.
رابعا: الذات العاشقة بوصفها مركز التلفّظ
من منظور تداولي (3) الخطاب المنطوق والخطاب المكتوب من منظور تداولي، بلخيري الحواس، الممارسات اللغوية المجلد:12/ العدد: 02 يونيو2021، فإن ضمير المتكلم يهيمن على الخطاب، مما يخلق كتابة اعترافية، لكن هذه الذات لا تنغلق على فرديتها، بل تتحول إلى نموذج أنثوي رمزي.
الأنوثة هنا ليست موضوعًا، بل “موقع تلفّظ”؛ أي زاوية نظر إلى العالم، حيث تُقرأ الأشياء عبر الحساسية العاطفية، لا عبر العقلانية الباردة.
خامسا: شعرية الومضة واستراتيجية الإدهاش
الومضة في هذا الديوان تقوم على ثلاث مراحل:
1–تمهيد عاطفي بسيط.
2–صورة مجازية مألوفة نسبيًا.
3–قفلة مفاجئة تعيد تأويل السطر الأول.
وهذا البناء الدائري يمنح النص كثافة وإحكامًا، ويجعل كل ومضة وحدةً مستقلة ضمن نسق كلي متماسك.
يمكن القول إن الديوان يقوم على:
*نسق دلالي مركزي هو الحب بوصفه فعل خلق لغوي.
*علامة كبرى (القلب) تتحول إلى مركز شبكة المعنى.
*اقتصاد لغوي قائم على التكثيف والانزياح.
*بنية تقابلية تُحسم دائما لصالح العشق.
بهذا المعنى، فإن الديوان لا يكتب تجربة عاطفية فحسب، بل يؤسس لنظام رمزي يجعل الحب آلية لإنتاج الهوية واللغة معا، فيه تتماهى الذات مع اللغة، ويتحوّل الاشتياق إلى معمار شعري، وتغدو القصيدة بيتًا يُبنى “قبلةً… قبلةً”.
وهكذا، فإن الياسمين الذي يُخلق من الشبه، ليس إلا القصيدة نفسها:
بيضاء، كثيفة، عابقة…
تنمو في تربة القلب، وتفوح كلما مرّ بها اسم الحبيب.
المراجع
-زمن الشعر، أدونيس، دار العودة، بيروت 1978.
-بلاغة الخطاب وعلم النص، الدكتور صلاح فضل: مجلة عالم المعرفة 1992، عدد 166.
-تحليل الخطاب الشعري، الدكتور محمد مفتاح، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطب الثلاثة 1992.





