وصايا الروح ..!!

تغريدة الشعر العربي
السعيد عبدالعاطي مبارك الفايد – مصر
(وصايا الروح ..!!)
الشاعرة والكاتبة أنمار العبدالله
“ضبابي..
أنتَ المعنى المبلّل بالخفاء،
نُطفة فكرة لم يُؤذن لها أن تولد،
تتمطّى في رحم الصمت
كأنها ومضة خُلقت لتُنسى،
لا لتُقال..”
(من نص تحت عنوان: ضبابي)
في البداية، عزيزي القارئ الكريم، ما زلنا هنا نحرص على تقديم أدب المهاجر العربي في المنفى، منذ أن ظهر هذا النوع مع المهاجر اللبناني والسوري في مطلع القرن العشرين، وقدموا لنا كتابات رومانسية وفلسفية تُضاف إلى المكتبة العربية، وصوتًا عربيًّا مقيمًا في بلاد الغرب، حيث الحرية، وجمال الطبيعة، والسعي على لقمة العيش، والشعور بخصوصيات الذات وغيره؛ مما جعل لهذا الأدب والشعر قالبًا وطابعًا خاصًا يتذوقه المطالع لهذا النوع من الفن الجميل، هكذا…
وشاعرتنا أنمار العبدالله، بنت المقدس والأرز، ذلك الوجه العربي المبدع والمسافر إلى الغرب، تلقي لنا بظلال تجربتها من عمق المنفى، من خلال معجمها اللغوي المتفرّد في تصوير لوحتها التي تعانق فيها الأنا بين كبرياء وشموخ، وزوايا الغربة، وحلم العودة، تلوّح بالحب وبأغصان الزيتون في عبقرية لروح الزمان والمكان، الذي يجسد عنوان هذا الإنسان المُفترى عليه منذ فجر ضمير الإنسانية، كما في منتجها الشعري وصايا الروح، الذي له دلالات تطوف بقيم جمالية شرقية كمرايا تختصر رحلتها بين الشرق والغرب.
أليست هي القائلة، في موجز هذه الكلمات التي تترجم لنا خلاصة قصتها من رؤية فلسفية جمالية:
إنها قِصّتي…
وأنا من يُمسكُ بالريشةِ
عندَ السطرِ الأخير.
هي رقصتي…
أنا من يُبطِئُ الإيقاعَ
حين يثقلُ القلب،
ويُسكتُ الموسيقى
حين تكتملُ الرقصة.
نشأتها:
أنمار العبدالله – كاتبة منفى، وصوت ذاكرة لا تنام.
أنمار العبدالله، كاتبة فلسطينية من لبنان، ولدت في لبنان عام 1986، وتقيم في ألمانيا منذ عام 2016 وتحمل جنسيتها.
نشأت في بيئة اللجوء، وعاشت تبعاته الوجودية والإنسانية، فانعكست هذه التجربة بعمق في رؤيتها للحياة، ولغتها، وكتاباتها.
درست علم الأحياء والعلوم الاجتماعية في لبنان، ثم تابعت تخصصها في العلاج النفسي بألمانيا، وتعمل اليوم في المجال الاجتماعي والإنساني، حيث تدمج بين خبرتها الأكاديمية ووعيها العاطفي في خدمة الآخرين.
-ديوان وصايا الروح
فصول في الفلسفة الجمالية، والتحليل النفسي، والقضايا الاجتماعية، وهواجس المنفى.
من شعرها:
تقول شاعرتنا أنمار، في قصيدتها التي تفسر ملامحها من خلال حروف أسمائها، التي تغازل المعنى بين ظلال متاهات الواقع، في فلسفة تعكس الانفعالات المتدفقة في حنين نحو المطلق، الذي يجسد رؤيتها في تلقائية، فتمضي تصبغ لنا بمشاعر صادقة ومؤثرة التداخل الفني بكافة خصائصه:
كأنَّ الاسم مرآةٌ لا تعكسُ الوجه،
بل الأصل…
وكأنَّ الحرفَ حين يُقال،
يُفضي إلى ما هو أعمقُ مما يُسمع،
أبعدُ من الصوت،
وأقربُ إلى الروح.
وعلى نسقِ ما كتب درويش،
سأكتبُ—
لا لأُشبهه،
بل لأُشبه نفسي حين أنطقُ اسمي.
اسمٌ من خمسة أبواب،
كلّ بابٍ يُفضي إلى أنثى
لا تُشبه أحدًا…
ولا حتى نفسها.
ثم تفكك الأبواب:
ألف: أولُ البدءِ.
أنا الأنثى التي ابتدأت من السؤال،
أمشي على أعتابِ الغيم،
لا أُشبه سوى ظنّي بي.
أنا اشتعالٌ بلا موعد،
ارتجافُ أولِ شهقةٍ في القصيدة.
أنا… أنمار.
نون: نداءُ الناجين من الحريق.
نُضجُ الذين جاعوا للحقيقة،
نَوى شجرةٍ لا تموت،
نبوءةُ وطنٍ يهمس في المنفى،
ندبةٌ مستترةٌ في جبينِ المعنى.
ميم: مرآتي التي لا تكذب.
ماءُ حزني إذا نطق،
مرافئُ لمن فقدوا البوصلة،
مَدىً يحنو، مَدىً يثور، مَدىً لا يُقاس.
مجرةٌ صغيرة، تسكن خلفَ ضلعي الأيسر.
ألف (ثانية): عَودٌ إلى البدء، لا إلى التكرار.
أنا أختُ الريح إن نامت،
أنثى تسيرُ على اللغة حافية،
ولا تجرحها.
راء: رفيفُ قلبي حين أخاف.
رُؤايَ التي لا تُشبه الحشود،
رائحةُ الأرض بعد الغياب،
رماديةٌ أنا… لكنني أضيء.
رغبةُ الكونِ أن يتكلَّم.
أنا أنمار…
واسمٌ كهذا،
لا يُقال، بل يُكتَبُ كما تُكتَبُ القصيدة:
مرّةً واحدةً،
بكلّ ما فيها من اشتعال.
وتقول في مقطوعة أخرى تنسج صدى شخصيتها، ومظاهر تلاحمها بين الضوء والصوت، وحركة الحياة التي تبعث الحزن والفرح من كافة الاتجاهات إلى الروح، فتكتب نشيد الجمال المتدفق مع عودة النور:
تسألني عن ثباتي؟!
سأخبرك…
عبرتُ فم النيزك،
أقمتُ في لبّ نجمٍ حتى انفجر،
تحمّلتُ صوت الضوء
وهو يمزّق ظلالي طبقةً طبقة،
وفي أقصى الحريق…
احترقتُ بلا صوت،
كمن يتلاشى كي لا ينهار.
لم يكن الأمر مجرّد وجع،
بل تمدُّدٌ كونيٌّ للروح،
انفجرت في داخلي مجرّات من الأسئلة،
تصدّعتْ خرائطي القديمة،
وتبعثرت الجهات كرمادٍ تائه.
ثم…
لملمتُ رمادي بيدي المرتجفتين،
وقررتُ أن أُزهِر تحت جليد النيازك،
أن أُنبت زهرةً من لهبٍ
في فم العدم،
زهرة لا تخاف الاحتراق،
ولا تتوسّل المطر.
ربّيتُها كجناحٍ ينمو داخل صدفة،
جناحٌ شفاف…
كأنّه مصباحُ وجعٍ مضاء،
كلّما اشتدّ الألم،
ازداد نقاءه،
حتى رأيتُ من خلاله من أكون،
وأدركتُ — أخيرًا —
إلى أيّ الجهات
لا يليق بي أن أعود.
ونختم بهذه القصيدة الرائعة “أربعون عامًا”،
والتي تطلّ علينا من نوافذها الشبابية، كي تحصد فيها سنوات ربيع العمر الجميل نحو الأربعين، حيث تتجدد تضاريس عبقرية الشخصية في ازدواجية مع الزمان والمكان، كعنوان لهذا الإنسان المغني على وقع أوتار أنمار كقصة وجود، فتقول:
أربعونَ عامًا
سقطت دفعةً واحدةً،
كشجرةٍ هزَّها
خريفٌ بلا إنذار.
كنتُ أركض
فإذا بي واقفة
أحدِّقُ في مرآتي،
كأنني أراها بعد انقراض الضوء.
وجهي.. دفترٌ قديم
تجاعيدي.. فواصلُ من صمت
ندوبي.. خرائطُ نجاةٍ بلا طريق.
استيقظتُ فجأةً،
كأنَّ العمرَ كانَ حلمًا مقطوعًا
كأنني نمتُ في صدري،
وصحوتُ في جسدٍ لا أعرفُه.
الوقتُ مشى حافيًا،
لم يتركْ أثرًا،
لكنَّه سرقني.
أين ذهبتِ الأيامُ؟
ضاعتِ التفاصيلُ،
كخرزٍ تكسَّرَ في خيطِ الذكرى.
الألمُ؟
مرَّ كنسمةٍ.
الفرحُ؟
عبَرَني،
دون أن يستأذنَ.
هل عشتُ؟
أم كنتُ ظلًا لامرأةٍ
لم تُخلقْ بعدُ؟
أجمعُني الآنَ من رمادٍ،
ألملِمُ وجهي من زوايا الوقتِ
أتلمَّسُ صمتي
وأسمعُ صداه.
أنا الآنَ،
أجمعُ عمري المبعثرَ،
في علبةٍ من وهمٍ
أفتِّشُ عني،
بين غبارِ الصورِ.
نهايةٌ؟
ربما بدأتِ الآنَ.
فبعضُ النهاياتِ.. صحوةٌ،
وبعضُ الأعمارِ.. غفوةٌ.
هذه كانت قراءة سريعة في عالم الشاعرة والكاتبة المبدعة “أنمار”، التي تملك وجه الثقافة بكافة معطياتها، في إطار مفردات معجمها الذي ينمّ عن عمق الفكر والوجدان، لرسم صورة مكتملة المعالم والأركان، فتقدّم لنا لوحة متناسقة كبستان ورود تفوح منه جواهر الحقيقة دائمًا.





