آخر الأخبار
ألمقالات

بلد قد ضاع بين الركام..

بلد قد ضاع بين الركام..

جمعه الحمداني…
في أرضٍ مرَّ منها الأنبياء وسار عليها الأوصياء واحتضنت حضاراتٍ علّمت البشرية معنى الكتابة والقانون ما زال العراقي كل صباح يسأل نفسه لماذا يبدو هذا البلد متعباً إلى هذا الحد ولماذا تتحول أحلام الناس فيه إلى معارك يومية من أجل أبسط مقومات الحياة فالعراق الذي يمتلك الثروات الهائلة والموقع الجغرافي المهم والإرث الحضاري العريق يعيش منذ سنوات طويلة حالة من التعثر السياسي والاقتصادي والخدمي حتى بات المواطن يشعر أن الأزمات أكبر من قدرته على الاحتمال

فلا بناء يوازي حجم الأموال التي أُنفقت ولا إعمار يلامس حجم الدمار النفسي والاجتماعي الذي خلفته الحروب والصراعات ولا صناعة أعادت للعراق مكانته الاقتصادية ولا زراعة أنقذت الأرياف من الجفاف والهجرة بل إن البطالة تتزايد عاماً بعد آخر لتدفع آلاف الشباب نحو اليأس أو الهجرة أو الانخراط في مسارات خطيرة كتعاطي المخدرات أو حمل السلاح في ظل انفلات أمني ونزاعات عشائرية تحولت في بعض المناطق إلى مشهد يومي يهدد هيبة الدولة ويضعف القانون

وفي الوقت الذي ينتظر فيه المواطن خدمات تليق ببلد نفطي تتصاعد الأزمات المالية والاقتصادية مع استمرار الاقتراض الداخلي والخارجي وارتفاع سعر صرف الدولار من مئة وعشرين ألف دينار إلى أكثر من مئة وخمسين ألفاً لكل مئة دولار الأمر الذي انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية والدوائية وحياة الناس البسطاء الذين باتوا عاجزين عن تأمين احتياجاتهم الأساسية بينما تتسع الفجوة بين الطبقة السياسية والشارع الذي يشعر بأنه يدفع وحده ثمن الفشل المتراكم

أما ملف الكهرباء الذي أُنفقت عليه عشرات المليارات فما زال يمثل الجرح الأكثر إيلاماً للعراقيين إذ لا تزال ساعات القطع الطويلة تفرض نفسها في الصيف والشتاء على حد سواء وسط تساؤلات لا تنتهي عن مصير الأموال الضخمة التي صُرفت دون أن تنجح الحكومات المتعاقبة في إنهاء الأزمة وكذلك الحال في ملف المياه الذي بات يشكل تهديداً حقيقياً مع شحة الأمطار والتصحر وتراجع الإطلاقات المائية ما أدى إلى تدهور الزراعة ونفوق الثروة الحيوانية وزيادة معدلات النزوح من القرى إلى المدن

وفي قطاع الصحة ما زال المواطن يواجه واقعاً مريراً يتمثل في نقص الخدمات ورداءة البنى التحتية وغياب الرعاية الكافية رغم الموازنات الكبيرة التي أُعلنت عبر السنوات بينما تبقى ملفات الفساد والسيادة والتدخلات الخارجية من أكثر القضايا إثارة لغضب الشارع العراقي حيث يشعر كثيرون أن القرار الوطني ما زال مرهوناً بصراعات إقليمية ودولية وأن وجود القواعد الأجنبية والانقسامات السياسية والطائفية ساهم في إضعاف الدولة وتحويل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة

ورغم أن بغداد كانت يوماً منارةً للعلم والثقافة والحياة فإن تقارير عالمية وضعتها ضمن أسوأ المدن للعيش بسبب التلوث والازدحام وضعف الخدمات وتراجع البنى التحتية وهو أمر يراه العراقيون مؤشراً مؤلماً على حجم التراجع الذي أصاب بلداً كان يُعرف بأنه قلب الشرق النابض

ويبقى السؤال الأكبر الذي يتردد على ألسنة الناس هل ما يحدث للعراق هو إرادة إلهية أم نتيجة طبيعية لأخطاء البشر فالكثير من رجال الدين والمفكرين يؤكدون أن الله لا يريد إذلال الشعوب وإنما منح الإنسان العقل والحرية ليبني وطنه ويحافظ على العدالة وأن ما يمر به العراق اليوم هو حصيلة عقود من الحروب والفساد وسوء الإدارة والصراعات السياسية والتدخلات الخارجية إضافة إلى غياب التخطيط الحقيقي لبناء دولة المؤسسات

العراقيون الذين صبروا على الحروب والحصار والإرهاب ما زالوا يمتلكون أملاً عميقاً بأن هذا البلد قادر على النهوض من جديد لأن العراق لم يكن يوماً أرضاً عادية بل وطن حضارة وتاريخ وشعب عرف كيف يواجه المحن عبر آلاف السنين لكن الخروج من دوامة التعثر يحتاج إلى إرادة سياسية صادقة وعدالة حقيقية ومحاسبة للفاسدين وبناء دولة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار لأن الأوطان لا تبنى بالشعارات بل بالعمل والصدق والإخلاص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى