آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ملتقى قوافي السلام (من إدلب الخضراء إلى طرطوس السلام) | أحلام حسين غانم

ملتقى قوافي السلام (من إدلب الخضراء إلى طرطوس السلام) | أحلام حسين غانم

شاعرة وناقدة | سورية

عندما يكون الشعر رسالة، لا يعود ترفًا لغويًا، بل يصبح سفيرًا للروح، ونداءً للعقل، وهمسًا في أذن الوجود. وانسجامًا مع ما للشعر من دور فعال في ربط الصلات الروحية، وما يزخر به أيضًا من فضائل إنسانية وقيم أخلاقية يوحدها الرابط الوجداني والعاطفي على امتداد الوطن السوري.

الشعر لغة الحب والسلام

لأن الشعر فن يتجاوز الكلمات، يزرع قيم التسامح والتفاهم، ويجعل من اللغة أداة للسلام الداخلي والخارجي على حد سواء.

نظّم اتحاد الكتاب العرب – فرع طرطوس – وملتقى “قوافي السلام”، يوم الثلاثاء الواقع 21/4/2026، “ملتقى الشعر الأول”، متزامنًا مع الاحتفال بيوم الكتاب العالمي، بمشاركة أكثرَ من عشرينَ شاعرًا يمثلون عددًا من المحافظات السورية، تحت شعار: (من إدلب الخضراء إلى طرطوس السلام)، صدحت حناجرهم وترنّمت أبيات قصائدهم حبًا بسورية، وذلك على مدرج الاتحاد، بحضور هيئة الفرع وبعض من أعضاء الاتحاد وشعراء ونقاد ونخبة من الإعلاميين والمثقفين والمجتمع الأهلي من محافظة طرطوس.

قوافي السلام

في رحاب الكلمات التي تزرع الأمل وتحيي الروح، انطلق ملتقى “قوافي السلام”، حيث تلتقي الأقلام لتنشد السلام والمحبة، وتفتح أبواب الإبداع لشعراء يزرعون النور في دروب الأدب والثقافة.

ارتقت المنصة الشاعرة سلوى أبو هلال – (ملتقى قوافي السلام) – تعلن شارة البدء مؤكدة: أنَّ الحب، والشعر، والسلام، هي ثلاثة عناصر مترابطة تعبر عن أسمى المشاعر الإنسانية، وتظهر في الثقافة العربية السورية بشكل قوافي السلام، حيث يجمع الشعر بين هذه العناصر ليجعل الحب تاجًا يزين القلوب، والسلام غاية لمشاعر كل السوريين.

آيات الذكر الحكيم

استهل المهرجان بتلاوة عطرة لآيات من الذكر الحكيم للمقرئ الشاعر “حسان شريقي”.

ملتقى السلام

أكد الشاعر “أحمد خليف الحسين” أنَّ “ملتقى قوافي السلام” سيبقى عنوانًا بارزًا للتسامح والسلام، وسنعمل معًا ليظل هذا الملتقى فضاءً لتكريس تلاقي الثقافات السورية وتلاحمها، مُبيّنًا دور الشعر في ترسيخ قيم الحق والخير والجمال، داعيًا السيد رئيس الفرع، وشاكرًا تعاونه وجهوده في سبيل إنجاح هذا الملتقى الشعري.

ووصفه شعريًا إذ قال:

شامخ الهمَّة سامي الخصالِ … مـنذر العيسى جميل الفعالِ

لـمـا بـدا كـالبحر جـوادٌ كـريمٌ … زاده الـشـعر بـعـذب الـمـقالِ

اتحاد الكتاب العرب واستيعاب التنوع الفكري

وفي مفتتح حديثه وترحيبه، أكد رئيس الفرع الشاعر “منذر يحيى عيسى” أن “يوم الكتاب العالمي” يعني لنا جميعًا أنّ كل شعوب العالم تعتبر الشعر من الفنون الجميلة الراقية، وأنّ له القدرة على إيصال المشاعر الإنسانية إلى من له القدرة على فهمها والتحليق في فضاءاتها اللامتناهية، مسلطًا الضوء على دور اتحاد الكتاب العرب في استيعاب التنوع الفكري، ومشيرًا إلى أن الإنسان هو إنسان واحد مهما اختلفت الجغرافيا، و”القصيدة هي ترجمة للأحاسيس والعواطف التي تنبع من أعماق الوجدان الإنساني، والشعر جسر تعبر من خلاله مشاعرنا إلى آذان المتلقي الذي له القدرة على فهمها وتمثيلها فعلًا وسلوكًا”.

علامة فارقة

وختم حديثه مخاطبًا الحضور الذي ملأ صالة الاتحاد: نحن مصرون على الاستمرار في الحياة الحرة الكريمة، وعلى المحبة التقينا، وحضوركم أغنى نشاط الفرع، وشكّل علامة فارقة في مسيرة الاتحاد – تحيا سورية واحدة موحدة.

عناقيد الأبجدية

في هذا الإطار نظم الشاعر “صالح محمد يونس” من عناقيد الأبجدية قصيدة معطرة تُعيدُ لِقلب المدى أُنسَ إدلب الخضراء، قرأتها بالنيابة عنه الشاعرة “غنوة مصطفى”، حيث يقول:

يــا دار إدلــب مـالـي كـيـف أنـتظر … والـحـبُّ حــرٌ كــواه الـبعد والـضجر

ولهتِ قلبي وعاد الشوق يوقظني … والـذكـر يـؤنـسني والــودُّ والـسـير

لـولا المحبة في الدنيا لما ابتهجت … بشائر الخلق حتى الأرض والشجر

كـفى بـربِّكِ هـذا الـعمر فـي وجلٍ … مـتى يـزول ويـصفو العيش والبشر

ويــصـبـح الــكـون أنـــوارًا وأغـنـيـةً … ويـسـقط الـظـلم والأوغــاد والـكدر

مـني الـسلام عـليكم كلما بزغت … شمسٌ بإدلب خلف الأيكِ تنتشروا

العاشق المتمرّد

ويصدح الشاعر رافع رحمون كعاشق متمرّد على عنونة القصيدة، لكن سرعان ما كشف هواجسه، حرف الروي: هو حرف الذال (ذ) في كلمة “ذا” و”الذال” تعد من أحرف الروي الصعبة رغم أنها تضفي على القصيدة جرسًا موسيقيًا هادئًا وعميقًا، وغالبًا ما تُستخدم في سياقات التعبير عن لوعة الحب، الذكرى، والذلّ في الهوى.

نقتطف منها:

أحببتها لا تسالوني كيف ذا = ما ضلّ قلبي في الغرام ولا هذى

قالوا بأني شاعرٌ متمرّدٌ = فأجاب عني خافقي يا حبذا

ويختم القصيدة بقوله:

حرفي رآك بعين قلبي فانحنى = في هيبةٍ وعلى يديك تتلمذا

مدي له حبل المودة واعلمي = إذا لم يعط قلبي لا لن يأخذا

وبقصيدة أخرى، وبين مشهد الجمال الطبيعي الهادئ وبين الحالة الوجدانية العميقة، وببحر بسيط يجمع بين الرومانسية الصوفية وصور الطبيعة الهادئة، وصور تعكس معاني الرقة، العبور الهادئ، والخشوع الروحي، إذ يقول:

مرّي كطيف الندى لا تُرهقي عصبي = قولي إذا شئت عن حبي الأقاويلا

لا تحسبي البعد والأيامَ تطفئني = لا شيء يطفئ جمر القبلة الأولى

ما أجمل مرور الطيف كالندى، إنه دعوة للعبور برقة، خفة، ونقاء، مشابهة لقطرات الندى التي تنزل في الفجر دون ضجيج، وهي صورة شعرية تدل على الهدوء والجمال الروحي.

الفوران العاطفي

أما شاعرة الإحساس “جهان كورنعسان”، فمن مطلع قصيدتها فورًا حملتنا إلى قول (بروست): “لكي يكون تأمل الفنان خصبًا، لا بد أن يرتبط بالفوران العاطفي”.

لا ضبط للإحساس دون حضوري = لا ترمين خوارقي بغروري

فالوقت كان مغيّبًا قبلي أنا = لمَّا دنوتُ دنا لِلَثمِ عَبيري

كلّي عفاف غير أنك سُقتَني = للرعشةِ البكماء بل لشروري

ولأنني قوقعتُ كل مباهجي = ظلّت بأنغمها تُعيدُ سريري

الحساسية الجمالية

وبقصيدة تستغيث بالبوح النزاري وتستثير الموقف الصوفي لمواجهة السلب، وخلق المتغير الجمالي الذي يرقى بالحساسية الجمالية إلى آفاق من التأمل والاستغراق الجمالي، كما في هذه الصور المفتوحة في رؤاها وعاطفتها وإحساسها الروحي.

لنرصد ذلك في قولها:

يا عيد أبلغ نزارًا عن صبابتنا = إنّا لنذكرهُ والحرفُ صدّاحُ

تلك القصائد ما زالت تشاطرنا = أيامنا والنوى والشوقُ يجتاحُ

من ذا سيسف صبًّا ماله جلدٌ = قد هاج بحرًا وما وافاهُ ملّاحُ

شغف القوافي

وبصوت رزين وحضور منبري رصين اعتلت المنبر الشاعرة “ابتهال المعراوي” القادمة من مدينة “حلب”، حيّت “طرطوس” بشغف القوافي، فملأت النفس بهجةً، وحولت الكلمات إلى ألحانٍ تنبض بالحياة، وباركت عيد الكتاب في يوم الكتاب العالمي، وأشارت قائلة: لا.. لا يستوي العلم والجهل، فالعلم نور وهدى ويقين، بينما الجهل ظلمة وتخبط وضلال. فالعالم الذي يعمل بعلمه يختلف تمامًا عن الجاهل الذي لا يعلم أو يعمل بغير علم، ومبينة أهم الفروقات بين العلم والجهل، وبأسلوب أدبي رفيع لتقوية المعنى وإكسابه تعظيمًا من خلال استحضار السياق التاريخي والديني، حيث تقول:

هل يستوي علمٌ وجهلٌ جلَّ منْ = قد قال لا.. بالقول عزّ خطّابُ

طوبى لمن جعل التعلّم سلّمًا = لبلوغ مجدٍ صيّرته رغابُ

فاقرأ تَعلّم والتمس درب العلا = ليكن جليسك في الحياة كتابُ

“ضجيج وألواح”

وبقصيدة أخرى، وكأنها مرثية أو مشهد درامي، لكنها تحمل طابعًا شعريًا وتصويرًا فنيًا قويًا للمخاطر والصراع مع الطبيعة، وتحت عنوان “ضجيج وألواح”.

وبمطلع يُرسم مشهد يمتزج فيه ضجيج البحر والريح بصرخات الألم أو لحظات الوداع الأخيرة في عرض البحر، تقول:

بحرٌ وريحٌ ضجتْ الألواح = ركب الأناة بصبره ملّاحُ

قد راح يمخرُ بالتخبّط موجة = إشغافتها لنجاته مفتاحُ

هذه الدّنى بحرٌ نغالبُ موجَه = بسفيننا تتقاذف الأرياحُ

الصوت والإحساس

أما الشاعرة “علا مصطفى” شاعرة إدلب الخضراء، وبصوت يفيض بالإحساس، تعبر في قصيدتها الموسومة “تشتاقك الروح” عن أرقى درجات التعلق والمحبة، حيث يتحول المحبوب من شخص خارجي إلى جزء لا يتجزأ من الكينونة والوجود (الروح، الأشواق، والأنفاس)، تقول:

يامنْ عبرْتَ بأيَّامي وأحلامي = أنت المقيمُ بأشواقي وأنفاسي

تشتاقُكَ الروحُ في صمتٍ وفي شغفٍ = حتى تراءى خيالٌ منكَ جُلَّاسي

سرى طيوفُكَ في فكري لتُحييني = وبات حُبُّكَ يَسري وسط إحساسي

فإنْ نأيتَ أذابَ الوجدُ لي كَبِدي = والموتُ أهْونُ منْ أوهامِ وَسْواسي

عراقة الهوية الوطنية

وبقصيدة أخرى بعنوان “ورد الخزامى”، الذي يشير إلى الهوية، الحب، الشجن، والارتباط بالأرض والذاكرة العاطفية، ويُعد ورد الخزامى رمزًا للجمال الربيعي البنفسجي، وعطر الذكريات، وحنين العشاق، وفي عراقة الهوية الوطنية ينبع الإلهام والتماسك، فهي شهادة على الأصالة وبصمة متميزة في جنبات الزمن.

لنلمح ذلك في مطلع القصيدة:

سقيت الروح من وجدي غراما = لتشفي قلب مشتاقٍ هُياما

أعيش العمر في جنبات حب = لعشقي ينحني الحرف احتراما

أنا الحرف الذي أبكى المعاني = فمن عبق الهوى عطر الخزامى

الشعر والغناء

بوصلة فنية أكد فيها الفنان “أحمد حمود” والفنان “علاء صالح” أن الشعر والغناء جناحا التعبير الإنساني، يحملان الحب والجمال إلى كل قلب مستمع، الغناء والموسيقى ارتبطا بالشعر ارتباطًا وثيقًا عبر التاريخ، حيث شكّل الشعر العمود الفقري للغناء العربي، واعتمدت القصيدة على الإيقاع الموسيقي والوزن والقافية، فقدما وصلة فنية أنعشت قلوب الشعراء.

الزهور رسول العواطف

أما الشاعر “حسان شريقي” القادم من بانياس الساحل، استعار لغة الزهور، وهي وسيلة تعبيرية صامتة وراقية تُستخدم لتبادل الرسائل العاطفية، حيث تحمل كل زهرة ونوع ولون دلالة خاصة تعبر عن مشاعر الحب، الشوق، الغيرة، أو التقدير، ليثبت أن الزهور كانت دائمًا رسولًا عاطفيًا يتجاوز الكلمات في بلاغته.

وارتجل قائلًا:

لـمـا رأيــت الـزهرَ أيـنع بـاسمًا … فـي صحنِ خدّكِ خانني التعبير

فغدوتُ في عيِّ لمن هو جاهلٌ … أو مـــن يـعـاقـر والـقـداح تــدور

أنــا لـم أكـن يـومًا أعـاقر خـمرةً … لـكـنّني مــن خـمـركِ الـسّـكيرُ

“بنت العروبة”

والشاعر “رفيق سليمان جعيلي” القادم من مدينة حمص، وقصيدته المعنونة “بنت العروبة”، التي تعكس الرقي النابع من الداخل، والعفوية بحكمة، والتمسك بالقيم العربية السامية.

و”بنت العروبة” رمزية تشير إلى المرأة العربية الأصيلة المتمسكة بقيمها، حيائها، وتاريخها وثقافتها العربية المشتركة، وترتبط بالاعتزاز القومي، وتظهر في القصيدة كرمز للوطن والحضارة السورية والسماحة والحب والسلام والعيش المشترك، إذ يقول:

” بـنـت الـعروبة ” حـيّها ولـهانا … وارسُـمْ حـروفَك بـالسّناء بـيانا

هـي جـنّة جـنّ الـربيع بروضها … تُـهـدي إلـى كـل الـملا رَيـحانا

بلد السماحة والسّلام فنهجُها … حـبٌّ تـمثَّلَ فـي النُّهى إنسانا

تـلك الـيَدان وطـهرُها مـتوضِّئٌ … لـيُـصـافـحَ الإنــجـيـلَ والـقـرآنـا

“عتابٌ وجواب”

وبقصيدة “عتابٌ وجواب”، والعتاب لغة المحبة، يحاول استعادة الود لا القطيعة، وغالبًا ما يكون الجواب عليه بإعادة وصل الحبيب أو الاعتذار الرقيق، بقول:

سـرقـوكَ مـنّا ثـلّة ُالـشعراءِ … وهجرتَ قسرًا مَحفِلَ العلماءِ

ونـكثتَ عـهدًا أنْ نظلَّ سويَّةً … نـبـني حـضـارة مـجدنا بـإباءِ

وفي ختم القصيدة يؤكد أن العتاب في الشعر العربي هو نهج الأوائل، حيث يقول:

إنـي عـلى نـهج الأوائـل سائرٌ … مُـسـتـهـديًا بـمـنـارة الـنُّـجـباء

الشعرُ إن أحسنتَ صونَ جلاله … سـتسودُ حـتمًا سُدَّةَ العظماء

“لغة العيون” رسائل صامتة

أما الشاعرة المتزنة القادمة من بانياس “مرام عباس”، أدركت أن العيون نافذة الروح، ترسل رسائل صامتة تفهمها القلوب قبل الألسنة، وأدركت أهمية “لغة العيون” في الشعر التي تعدّ أبلغ لغات الحب، حيث تختبئ أحاسيس وكلمات لا يُسمع لها صوت، لكنها تصل مباشرة إلى القلب، وبناءً على ذلك تُصوّر عنونتها كرسائل صامتة تفضح الوجد وتغني عن الكلام، وتعد نافذة على القلب ومصدر إلهام دائم.

” عيناكِ جميلة “

هذا كل ما أستطيع تذكره

لأبدأ عاداتي الصباحية

وهذا جل ما أريد نسيانه

لأبدأ يومي كأنا

بعيدًا عن كل تلافيفك الأنثوية “.

والشاعر “أحمد حسن” القادم من اللاذقية في “هذي الحب”:

هَذيَ الحُبِّ

وبمطلع يحمل لغة الأمر: “دعي التغزل لا تلقي له بالًا”، وبعبارة تحمل في طياتها نصيحة بضرورة التجاهل وعدم الاهتمام بكلمات الإعجاب أو الغزل، وهو ما يشبه في معناه الحديث الشريف الذي يحذر من الاستهانة بالكلمات، يقول النبي (ص): “إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالًا يهوي بها في جهنم”.

دعــي الـتغزل لا تـلقي لـه بـالاً … خَلِّي المشاعرَ تُهدي حُبَّنا شالا

أنـا وأنـت كـعصفورين قـد شُغِفَا … حُـبَّا وأهـدا إلـى الأشـواق مَوَّالا

يـحـيا الـمحب ويـحيا ذِكـره أبـدًا … لأنَّــهُ اخـتـار هَــذيَ الـحُبِّ دَلَّالا

“لغة الضوء والمقل”

الشاعرة “غنوة مصطفى” ذات الحضور المنبري المتميز، وبلغة الضوء والمقل تكشف أسرار المشاعر قبل أن تُقال الكلمات، و”تُشير في قصيدتها “أنيس المقل” إلى العلاقة التفاعلية بين “لغة الضوء والمقل” وبين الإضاءة والرؤية البشرية، حيث لا يقتصر الضوء على تمكين البصر، بل يؤثر بعمق على مشاعر الناس، إحساسهم بالأمان، وتفاعلهم مع البيئة المحيطة.

حيث تعد الألوان لغة الضوء والظلمات التي تشكل الأشياء، بينما تربط “المقل” (العيون) بين المشهد الخارجي والذاكرة العاطفية، مستحضرةً صورًا فنية أو واقعية.

ولسان حالها يقول:

إنّي أنستُ الضوء يسكن في المقلْ … قـد جـاء جـفني طـالبًا جـني الـقبلْ

يـأبـى الـرحيل مـقامه فـي خـافقي … يسبي برمشي – في دلالٍ لا خجلْ

أغـمـضـت عـيـنـي لا أريـــد بــعـاده … فـحبيس جـفني جـاء يقرؤني الأملْ

عشق وعطر وعنبر

بالعشق والعطر والعنبر ينسج الشاعر الرصين “أحمد خليف الحسين” لحنًا من المشاعر، حيث يعبق القلب بالحب وتترقرق الأحاسيس كالنسيم، وكأنه صوت قادم من الزمن الجميل، وبقصيدة يخاطب المحبوبة “سلي الروح عني”، ويغزل من خياله مشاعر الحنين، والأمل، والذكريات التي تثيره كما يثير غوادي العطر والعنبر الهنا، يقول:

سلي الروح عنّي كيف أبني خياله … وكـم ذا أقاسي في الهموم بلا صفا

هـبـوب أريــج الـمـسك نـحو ديـاركم … يـثـير غــوادي الـعـطر والـعـنبر الـهنا

أغــازل ريــح الـنـبض حـيـن هـبـوبها … بـأطـيب حــرفٍ هــاج ثــورة مـا خـفا

العين الثالثة

أما الشاعرة سلوى أبو هلال، صوت شعري استثنائي، حضورها أكبر من قصيدة، وعينها الثالثة تضيء أفق الإلهام والإحساس؛ في إدارة ملتقى قوافي السلام ترى ما وراء الكلمات، وتنسج للحظات الإبداع مسارات المحبة والسلام، إنها الشاعرة التي ترى ما لا يراه الآخرون دون أن تُرى، تراقب سير الملتقى إلى حد التفاني، بين عينيها تتوازن القصيدة والرؤية الوجدانية، حتى تناست نفسها دون أن تمنحنا صورة عن قصيدتها.

لم تكن قصيدتها مجرد قصيدة، بل أشبه ما تكون برحلة تأملية في الوجود، والهوية، واللغة، والثوابت الوطنية، قد حملت في القصيدة رسالة، وفي صوتها شاهدًا ومرسلًا ومؤتمنًا على الكلمة الطيبة الحرة.

الكتاب إرث حضاري

وأجمع الشعراء أن الكتاب إرث حضاري، وزهرة الحكمة التي تفوح عبر الزمن، والقصيدة تشكل رسالة سلام في زمن الحرب، معتبرين أن “ملتقى الشعر” في يوم الكتاب العالمي يأتي احتفاءً بالشعراء الأحرار الذين جادت قرائحهم بقصائد شكلت إرثًا إنسانيًا وحضاريًا سوريًا على مر العصور.

اكتشاف مواهب جديدة

وتأتي أهمية هذا الملتقى الشعري بأنه جسر يربط الأحلام بالأقلام، ويخرج الشعر من الظل إلى نور الشهرة، وهذا يمنح كل المشاركين والحاضرين فرصة تبادل الرؤى والخبرات، ما يسهم في اكتشاف مواهب جديدة يمنحها فرصة الحضور والتفاعل على مدرج اتحاد الكتاب العرب.

الشعر “جسر للسلام”

وتتحول القوافي والشعر إلى “جسر للسلام” حينما تخرج الكلمات من كونها مجرد حروف موزونة لتصبح رسائل حب، حنين، وصدق إنساني يربط بين قلوب الشعراء، يُعد الشعر في هذا السياق أداة لبناء الجسور النفسية، والتأمل في المعاني الراقية لكل الجغرافيا السورية.

التلاقي الإنساني

في الختام كان أيضًا مع نخبة من ضيوف الشرف الذين تنابوا على منبر الشعر والوداع عبر فقرة فنية مميزة، وفي لحظات الوداع والصور التذكارية وتبادل الكتب بين الشعراء أكد الجميع أن القوافي ليست مجرد قيود عروضية، بل القوافي جسور، تحمل المعنى من روح الشاعر ومن ضفة التباعد إلى ضفة التلاقي الإنساني الصادق، حيث المحبة والسلام وتنير الفكر والإحساس.

الحب وصفوة السؤال

وفي ختام الرحلة، يظل الحب والسلام، وصفوة السؤال، نجومًا تتلألأ في سماء القلوب، تضيء دروبنا بالأمل وتروي أرواحنا بصفاءٍ ووفاء.

يبقى التساؤل المطروح: ما سر الجاذبية التي يتمتع بها اتحاد الكتاب العرب في طرطوس، وأي نور خفي يسري بين أسرة ملتقى قوافي السلام حتى جذبا هذا العدد الهائل من الشعراء من مختلف المحافظات السورية؟ ما السر الكامن في قوافي السلام، وأي قوة تجعل القصائد تحجّ إلى الشعر، وتطوف حول محراب الوطن، فتسكن القلوب قبل الأوراق؟

وهكذا تبقى الكلمات شعلة، تضيء الروح وتوقظ الانتماء، فالقصيدة ليست مجرد حرف، بل قلب نابض يحج إلى وطنه الأم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى