صويحب من يموت المنجل يداعي

كتب رياض الفرطوسي
حين صدر قانون الإصلاح الزراعي في زمن عبد الكريم، لم يكن صويحب الصابئي يفكر بأنه سيصبح حكاية. كان فلاحاً من العمارة، يعرف الأرض كما تُعرف الوجوه القريبة، ويعرف أن التراب إذا أُعطي عدله يُعطي أكثر.
الإقطاعيون لم يروا في صويحب إنساناً صعد بجهده، بل خللاً في ترتيب قديم، في سلّمٍ صُمّم ليبقى كما هو، لا ليُصعد عليه. شيخ البو محمد، الذي لم يحتمل فكرة أن يقف فلاح على قدم المساواة معه، لم يكن يدافع عن حادثة عابرة، بل عن نظام طبقي راسخ، تغيّرت أسماؤه عبر الزمن ولم تتغير روحه. بالأمس كان إقطاعاً أرضياً، واليوم صار إقطاعاً سياسياً ووظيفياً، مكاتب بدل الحقول، وأختام بدل البنادق، لكن القاعدة واحدة، مواقع محفوظة لا تُمس، وسقف لا يُسمح لأحد أن يرفعه.
في هذا السياق، لم يحتج الشيخ إلى خطاب طويل. قال جملة واحدة، مشبعة بالتحريض والمهانة، كأنها قانون غير مكتوب: لو كان عنده رجال، لما ترك صويحب يعود ليلاً سالماً. لم تكن مجرد عبارة غضب، بل إشارة واضحة إلى أن الخلل يجب أن يُصحح، وأن من تجاوز موقعه عليه أن يُعاد إليه، ولو بالقوة.
كانت تلك الجملة كافية لتفتح الطريق لجريمة، لا تحتاج إلى أكثر من ظلام ونهر وانتظار. لكنها، في جوهرها، كانت أكثر من جريمة، كانت إعادة تثبيت لنظام كامل. نظام يرى في أي صعود خارج قواعده تهديداً، فيتحرك بسرعة، لا ليحمي العدالة، بل ليحمي الامتياز.
وهكذا، لم يُقتل صويحب لأنه أخطأ، بل لأنه أصاب في المكان الخطأ، لأنه وقف حيث لا يُراد له أن يقف. وهذا ما يجعل الحكاية ممتدة حتى الآن، لأن التراتبية لم تختفِ، بل بدّلت جلدها فقط، وبقيت تراقب كل محاولة صعود، وتُذكّر، بطريقتها الخاصة، أن بعض الأبواب لا تُفتح إلا لمن وُلدوا خلفها.
في الليل، كما خُطط، جلسوا له على كتف النهر. لم يكن صويحب مسلحاً، ولا كان يتوقع أن يتحول الطريق الذي يسلكه كل يوم إلى كمين. ضُرب، وسقط، وانتهى كل شيء بسرعة لا تليق بحياة كاملة. لكن الذي لم ينتهِ، هو ما تلا ذلك. إذ لم يُدفن صويحب وحده، بل دُفن معه وهمٌ بأن العدالة يمكن أن تمر بلا ثمن.
هناك، في تلك اللحظة، لم يكن الشاعر الكبير مظفر النواب يكتب مرثية فقط، بل كان يفتح جرحاً في الذاكرة لا يلتئم. حين قال:
“صويحب من يموت المنجل يداعي”،
لم يكن يرثي رجلاً، بل كان يرثي فكرة، فكرة أن الأداة التي تحصد القمح يمكن أن تُستدعى شاهداً على الدم.
هذه ليست قصة ماضٍ مغلق، بل مفتاح لفهم ما تكرر لاحقاً بأشكال مختلفة. كل مرة يحاول فيها إنسان بسيط أن يغيّر موقعه، أن يخرج من الظل إلى الضوء، هناك دائماً من يرى في ذلك تهديداً، لا لأنه خطر فعلي، بل لأنه يكسر صورة مستقرة، ولو كانت ظالمة.
في المدن اليوم، لم يعد القتل دائماً على ضفاف الأنهار، لكنه يحدث بطرق أخرى، أكثر هدوءاً، وأقل ضجيجاً. يُقصى الإنسان من عمله لأنه قال ما لا يُقال، يُهمّش لأنه لم ينحنِ في الوقت المناسب، يُستبدل لأنه لم يتقن لعبة الولاءات. تختلف الأدوات، لكن الفكرة واحدة: كل محاولة للخروج من الصف تُقابل بعقاب، حتى لو لم يُعلن ذلك صراحة.
الغريب أن القتلة لا يرون أنفسهم كذلك. يبررون، يخففون، يختبئون خلف عبارات جاهزة. أما الضحية، فيُطلب منها دائماً أن تفهم، أن تصمت، أن تتقبل. وهنا، يتسلل ذلك التحول الصامت في داخل الإنسان، حيث لا يعود يميز بين ما يجب رفضه وما يمكن احتماله.
عبارة ممدوح عدوان تأتي هنا كخلاصة موجعة: (نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما حولنا). التعود ليس مهارة، بل خسارة تدريجية. كل مرة نقبل فيها بما كنا نرفضه، نفقد جزءاً صغيراً من قدرتنا على أن نكون كما كنا.
صويحب لم يكن حالة استثنائية، بل إشارة مبكرة. إشارة إلى أن الطريق بين الحقل والسلطة ليس مفروشاً بالترحيب، بل محفوف بالكمائن. وأن المنجل، الذي كان رمزاً للعمل، يمكن أن يتحول إلى شاهد على غياب العدالة.
ومع ذلك، تبقى الحكاية مفتوحة. ليست لأن النهاية غير معروفة، بل لأن المعنى لم يُحسم. كل جيل يعيد قراءة صويحب بطريقته، يرى فيه ما يشبهه، أو ما يخشاه. وربما، في مكان ما، لا يزال هناك من يلتقط من الأرض منجلاً قديماً، لا ليحصد القمح فقط، بل ليُذكّر بأن الدم الذي سُفك لم يكن حادثة عابرة، بل سؤالاً لم يُجب عليه بعد.




