آخر الأخبار
ألثقافة والفن

ثنائية الحضور والغياب للشاعر حسين السياب | وردة أيوب عزيزي 

ثنائية الحضور والغياب للشاعر حسين السياب | وردة أيوب عزيزي

شاعرة | جزائرية

 

​تتجلى في قصيدة “الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ” للشاعر حسين السياب تجربة شعرية مغايرة في التعاطي مع ثنائية الحضور والغياب، حيث لا يكتفي الشاعر برصد الفقد كحدث مأساوي، بل يعيد صياغته كعملية تحول فيزيائي وميتافيزيقي للمادة والروح. يبدأ النص من “حائط الذاكرة” حيث تتصلب صرخات الأمهات، وهي استهلالية تمنح الذاكرة ملمسًا خشنًا وجسدًا صلبًا، ليضعنا الشاعر أمام “وجوه الشهداء” التي تُرفع كالمرايا في وجه الغياب. هنا، يقلب السياب الوظيفة التقليدية للمرآة؛ فبدلاً من أن تعكس ما هو موجود، هي تعكس “الفراغ” لتملأه بملامح الذين رحلوا، محولةً الغياب إلى مواجهة بصرية حادة.

​هذا الانزلاق للوجوه من أطرها يحيلنا إلى فلسفة “التحرر من القيد”، فالشهيد في النص لا يبقى سجين الصورة الفوتوغرافية، بل يستحيل “اسمًا” يمارس دور الجرح الذي “كلما أُغلق اتسع”. إنها مفارقة جمالية مدهشة تجعل من الألم بابًا للانعتاق، ومن الصمت صوتًا يستعيد سيادته. ومع انتقال الشاعر إلى فضاء المدينة، نجد أنسنة طاغية للجماد؛ فالأرصفة تتبادل الأقدام مع العابرين، والشوارع تفقد بوصلتها لتكتفي بالإشارة، في إشارة رمزية إلى ضياع الهوية المكانية تحت وطأة الحرب. لكن هذا الضياع ليس استسلامًا، بل هو إعادة تعريف للوجود، حيث تكتسب البيوت التي فقدت جدرانها “هيبة العراء”، ويصبح الركام “لغة أعلى من البناء”. في هذا المقطع تحديدا، يؤسس السياب لـ “جماليات الخراب”، معتبرًا أن الأنقاض هي النص الصادق الذي لم تزيفه يد العمارة، وأن “الكبرياء” هي الوقفة الأخيرة لما انهار، مما يمنح الهزيمة المادية نصرًا معنويًا أخيرًا.

​وتصل القصيدة إلى ذروة التجريد حين يتناول الشاعر مصير الفقراء وأجسادهم؛ فالسقوف التي تخلت عن وظيفة الحماية بالدمار، لم تسقط للأسفل، بل “ارتفعت” لتلمع كنجوم لم تسعها السماء. هذا السمو الأنطولوجي يحوّل الضحايا من مادة ثقيلة أرهقها الجوع والرصاص إلى “فكرة في الهواء” أو “غيم يبحث عن وزن ليسقط”. إنها عملية “تبخير” للمأساة، حيث يتخفف الجسد من عبء طينه ليتحول إلى غيمة/ قصيدة. وفي الختام، يضعنا الشاعر في مواجهة “المحو” كفعل كتابة بحد ذاته؛ فالمدينة تُعاد كتابتها بالمسح، والوجوه تتحول إلى “فراغات ممتلئة” تخترق الذاكرة دون وصول. ينتهي النص بتحول درامي مذهل، حيث يصبح الشاعر نفسه جزءا من المشهد، لا كراوٍ، بل كـ “أثر قذيفة توقفت في منتصف الحكاية”، مما يجعل القصيدة صرخة مبتورة، تمامًا كالأرواح التي رحلت قبل أن تكمل جملتها الأخيرة، ليترك القارئ عالقًا في برزخ بين الصمت والكلمة، وبين الأثر والمؤثر.

 

 

 

 

القصيدة:

(الاسمُ حينَ يفقدُ جسدَهُ)

 

على حائطِ ذاكرةٍ

تتصلّبُ فيها صيحات الأمهات

أرفعُ وجوهَ الشهداءِ

كما تُرفعُ المرآة في وجهِ الغياب

كلُّ وجهٍ

ينزلقُ من إطارِه

ويتركُ اسمَهُ

جرحاً يستعيدُ صوتَهُ من الصمتِ…

الجرحُ

بابٌ

كلّما أُغلق اتَّسعَ…

الأرصفةُ

تُبدّلُ قدميَّ بأقدامٍ

تسحبني

حيثُ تمشي المدينةُ

داخلَ نفسها

وحيثُ الشوارع

تفقدُ اتجاهاتها

وتكتفي بالإشارةِ…

هناك

البيوتُ

حينَ فقدتْ جدرانها

اكتسبتْ هيبةَ العراء

وصار الركامُ

لغةً أعلى من البناء..

الكبرياءُ

وضعيةُ وقوفٍ أخيرة

لشيءٍ انهار..

سقوفُ الفقراءِ

ترتفعُ

في اللحظةِ التي تتخلّى فيها عن كونها سقوفاً

تلمعُ كنجومٍ

لم تجد سماءً كافية

والأجسادُ تخفُّ

حتى تصيرَ فكرةً في الهواء..

غيماً

يبحثُ عن وزنٍ

كي يسقط..

أمشي

وفي داخلي

مدينةٌ تُعاد كتابتُها بالمحو

كلّما رتّبتُ وجوهَهم

تحوّلوا إلى فراغاتٍ ممتلئة

إلى ثقوبٍ في الذاكرة

أمرُّ منها

ولا أصل…

وفي النهاية

تتبدّلُ الجهات

الحائطُ يتقدّمُ نحوي

يمدُّ صمتَهُ حولي

ويكتبني

أثرَ قذيفةٍ

توقّفتْ في منتصفِ الحكايةِ!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى