آخر الأخبار
ألمقالات

المرأة في الحروب.. هي اليد التي تعيد تشكيل الحياة

المرأة في الحروب.. هي اليد التي تعيد تشكيل الحياة | سمية زكي البطاط
كاتبة وإعلامية | عراقية

 

تُدار الحروب، بعقولٍ رعناء ومع ذلك هي من تمسك بزمام مصائر الشعوب، دون أن تُحسب كلفة الألم، ولا وجع الفقد، ولا عمق الندوب التي لا تُرى. وبين كل هذه الحسابات المختلة، تقف المرأة في قلب المشهد، ليس كرقمٍ هامشي يُضاف إلى قوائم الضحايا، بل كحقيقةٍ إنسانية تتكرر في كل حرب، وفي كل مكان.
المرأة هي أول من يتلقى الضربة، وأطول من يبقى تحت وطأتها. تُخترق خصوصيتها، تُسلب أبسط احتياجاتها، ويُتجاهل جسدها بما فيه من تقلبٍ وإنهاكٍ واحتياجٍ مستمر للرعاية، لا يُنظر لها ككائنٍ له خصوصيته البيولوجية والنفسية، بل كجزءٍ من مشهدٍ عام يُراد له أن يتحمل كل شيء وبصمت.
وفي أكثر صور القسوة، ترى أبناءها وهم أغلى ما تملك مهددين بالجوع، أو البرد، أو لهيب الحر. هناك، في تلك اللحظات، لا يتبقى من العالم سوى الخوف ولا يبقى للأمان أي معنى، ويتهاوى كل شيء، ويصير البقاء نفسه معركة يومية.
تفقد المرأة بيتها، وتفقد إيقاع حياتها، وتفقد تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح أيامها طعمها الخاص. لا تعيش الحرب كحدثٍ عابر، بل كحالة ضياعٍ مستمرة، تدفع ثمنها يوميًا، بصمت لا يسمعه أحد.
ومع ذلك تقف المرأة بثبات، كأنها تعاند الانهيار، تعيد ترتيب الأشياء، في الشارع، أو تحت خيمة. لا تنتظر عودة الحياة كما كانت، بل تبدأ بصناعتها من جديد، من أقل الممكن.
هذه تقف كمعلمة، تجمع الأطفال حولها، وتمنحهم درسًا، لا في المناهج بل في القدرة على الاستمرار. وأخرى تنهض من الركام، تشعل نارًا، وتحيط نفسها بما تيسر من أدوات، لتبني مطبخًا متواضعًا يسدّ جوع ضحايا الحروب، كأنها تقول إن الكرامة تبدأ من لقمة.
وبعضهنّ يتبرعن لغسل الثياب، كأنهنّ يغسلن عن العالم شيئًا من قسوته، وأخريات يقفن كمضمدات، يضمدن جراحًا أكبر من قدرتهن، أو كمربياتٍ لأطفالٍ فقدوا ذويهم، في محاولةٍ نبيلة لترميم ما يظن العالم أنه لا يُرمم.
وفي زحام النصوص التي تُكتب عن الحروب، غالبًا ما تُذكر الأرقام والخسائر وما تَهَدم وما يجب تعويضه وتُنسى المرأة. ولكن إذا أحسنا قراءة التاريخ سنكتشف أن النساء وقفن في وجه العتمة، كلٌّ بطريقتها.
في أوروبا، كانت “نانسي ويك” وهي امرأة من بريطانيا، كانت تركض بين الخطر لتنقل الرسائل وتقاوم الاحتلال، بينما كانت أخريات يداوين الجراح أو يصنعن السلاح. وفي السماء، حلّقت نساء بطائرات بدائية، وواجهن الموت بصمتٍ وشجاعة.
وفي عالمنا العربي، قد لا تكون الأسماء حاضرة بذات الكثافة في كتب التاريخ، لكن الأثر كان قائمًا. كانت “هدى شعراوي” من مصر تواصل دورها في تنظيم العمل النسوي والإغاثي، وتدفع بالمرأة إلى مساحة العمل الحقيقي، بينما مهّدت تلك المراحل لظهور نساء مثل “نزيهة الدليمي” من العراق التي لم تحمل سلاحًا في حرب، لكنها خاضت معركة لا تقل ضراوة، معركة الوعي والحقوق، وإعادة تشكيل المجتمع من الداخل. والأسماء كثيرة ونحتاج لمؤلفات وكتب لنعيد للمرأة حقها في الوقوف وسط النار لحماية الأسرة ليس فقط من الجوع إنما أيضا من الضياع والخوف والفوضى التي خلفها غياب الأب كما حدث في العراق منذ مطلع الثمانينات وليس حتى قبل أعوام قليلة..
كما أن هناك نساء مجهولات لا تُذكر أسماؤهن، ولا تُوثّق بطولاتهن، لكنهن كنّ حاضرات وواقفات بثبات تحت الخيام، في المستشفيات، في البيوت المهدمة، يحاولن، مرةً بعد مرة، أن يُبقين الحياة ممكنة. وهذا تفعله المرأة اليوم في لبنان بعد ان أصبحت في مواجهة الخراب الحقيقي، لا بيوت دافئة، لا غرف أنيقة، لا ممتلكات ولا أدنى شعور بالأمان. خيام ممتدة على ساحل بحر بيروت وساحاتها وأرصفتها، يغسلن الثياب ويصنعن الطعام امام حالة تكاد تكون أقسى من اليأس نفسه، ومع ذلك فهي لا تعرف سوى لغة واحدة، لا يأس من أجل زرع ولو بصيص من الأمل للنجاة من فوضى الحرب ورعونة صانعيها.
وهكذا، تبقى المرأة قريبة من دورها الإنساني، حيث لا أحد ينتبه بانها الخسارة التي لا تلاحظ رغم انها اليد التي تعيد تشكيل الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى