آخر الأخبار
ألمقالات

صراع الإرادات في الشرق الأوسط: بين خطاب الردع وطبول الحرب

صراع الإرادات في الشرق الأوسط: بين خطاب الردع وطبول الحرب
عقيدة الدولة الاسلامية أم عقيدة القوة الايرانية؟
بقلم الكاتب والخبير السياسي
حسن درباش العامري….
إيران تقدّم نفسها بوصفها دولة إسلامية تقوم على مرجعية دينية ملتزمة واضحة، وتؤكد قيادتها مرارًا أن سلاحها عقائدي دفاعي لا هجومي وقيادتها ملتزمة بثوابت الدين ،فهم لايسعون لامتلاك سلاح نووي لانهم لايريدون سفك الدماء ولا ان يثخنوا في الارض ، وأنها لا تسعى لامتلاك سلاح نووي بدافع ديني وأخلاقي، مستندة إلى فتاوى معلنة تحرّم هذا النوع من السلاح .وهذا مايكرره المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد الخامنئي وهم يعلمون جيدا انه شخص لايكذب ولايخاف ،
لكن الدول تؤكد ان السياسة لا تُقرأ بالخطاب وحده، بل بموازين القوى.فالاخرون لاينظرون
للبرنامج الإيران النووي السلمي على انه سلمي، وخبرتها الصاروخية المتفوقة، وانتشار نفوذها الإقليمي، كلها عناصر صنعت معادلة ردع حقيقية. هي تقول إنها لا تريد الحرب… لكنها تريد أن تكون كلفة الاعتداء عليها باهظة إلى درجة تجعل خصومها يفكرون ألف مرة قبل الإقدام على ذلك مجددا.
وهنا تكمن الحقيقة الصلبة:
الدول لا تُحترم ببياناتها، بل بقدرتها على فرض التوازن.
إسرائيل تعيش هاجس التفوق الدائم
و ترى في إيران التهديد الاستراتيجي الأكبر لاعتبارات دينية هم يجدونها مكتوبة عندهم، وليس فقط بسبب النووي، بل بسبب مشروعها التوسعي الإقليمي الممتد من النيل الى الفرات والسيطرة على السواحل الشرقية والجنوبية للبحر المتوسط.
عقيدتها الأمنية تقوم على مبدأ واضح: منع أي قوة في المنطقة من امتلاك تفوق استراتيجي يهدد احتكارها العسكري.
لذلك، فإن الحديث الإسرائيلي المتكرر عن “الخطر النووي الإيراني” ليس مجرد ملف تقني، بل ورقة ضغط سياسية وأداة تعبئة دولية.
إسرائيل لا تريد حربًا شاملة قد تحرق المنطقة، لكنها تريد بقاء ميزان القوة مختلًا لصالحها دائمًا.
والتاريخ يقول إن الدولة التي تعيش على التفوق المطلق، تخشى أي توازن.
الولايات المتحدة لا تتحرك بدافع عاطفي ولا استجابة آلية لأي طرف، بل وفق شبكة مصالح معقدة:
الطاقة، أمن الحلفاء، منع الانتشار النووي، ومواجهة صعود قوى كبرى أخرى.
انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي في عهد دونالد ترامب أعاد التوتر إلى نقطة الصفر، وفتح الباب أمام سباق تصعيد محسوب.
لكن الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها هي أن واشنطن تدير الصراع بميزان دقيق: تضغط… لكنها لا تريد انفجارًا شاملًا يفلت عن السيطرة.لان ثمن ذلك سيكون كبير في ظل اقتصاد امريكي يقف عن حافة الانهيار،
الحرب الشاملة ليست مشروعًا أمريكيًا الآن، بل ورقة تهديد تُستخدم حين يلزم.
بعض دول الخليج تنظر إلى التمدد الإيراني باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي تحت تأثير طائفي ، سواء عبر النفوذ السياسي أو أدوات التأثير الإقليمي.
وهذا القلق دفعها أحيانًا إلى مواقف تصعيدية، وأحيانًا أخرى إلى مسارات تهدئة كما شهدنا في السنوات الأخيرة.
المسألة ليست حقدًا مجردًا كما يُصوَّر، بل صراع نفوذ وهوية ومكانة إقليمية تحت تأثيرات دينية ومذهبية منحرفه.
كل طرف يخشى أن يستيقظ ليجد موازين القوى قد انقلبت ضده.
الحقيقة التي لا تُقال بصراحة
المنطقة اليوم تعيش فوق برميل توازن لا برميل بارود.
الجميع يمتلك أدوات مؤذية، والجميع يعرف أن استخدامها الكامل يعني خسارة الجميع.
إيران تمتلك أوراق ردع مؤثرة.
إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا نوويا متقدمًا كما تمتلك قوات عربية مرتزقة تحركها كما تشاء وتستطيع بواسطتها احداث ارباك امني لاي من الدول العربية .ولكنها تخشى امتلاك ايران للسلاح النووي او حتى التفوق الصاروخي الذي حتما سيحبط مخططاتهم التوسعيه الثابتة .
أمريكا تمتلك القدرة على ترجيح الكفة.
ودول الخليج تمتلك ثقلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا.تحت التصرف الامريكي وان تطلب الامر سيكون تحت تصرف اسرائيل وهي اعلنت عن ذلك مرارا وتكرارا سياسيا ودينيا عبر شيوخها من على المنابر..
لكن الحرب الكبرى؟
هي آخر الخيارات، لأنها لن تكون نزهة عسكرية، بل زلزالًا جيوسياسيًا يعيد رسم الخرائط ويضرب الاقتصاد العالمي ويُدخل المنطقة في فوضى طويلة. ربما تختفي معها دول كثيره وتبرز اخرى .
عندما يعلو الصوت، فاعلم أن خلفه خوفًا.
وعندما تكثر التحذيرات، فاعلم أن ميزان الردع يعمل.
خطاب التعبئة في طهران يهدف إلى تثبيت معادلة الردع.
والخطاب التصعيدي في تل أبيب يهدف إلى منع أي تغيير معاكس في موازين القوى.
والرسائل الأمريكية تهدف إلى إبقاء الجميع داخل حدود اللعبة.
الصراع ليس صراع ديني فقط وان كان الابرز، ولا صراع أيديولوجيا فقط، بل صراع بقاء ونفوذ وهيمنة.
الخلاصة التعبوية الواقعية
إذا كانت الشعوب تكره الحرب، فإن الدول تستعد لها.
وإذا كانت القيادات ترفع شعار السلام، فإنها تبني أدوات الردع في الخفاء.
الشرق الأوسط لا يعيش مرحلة حرب شاملة، بل مرحلة اختبار إرادات.
ومن يظن أن المعركة محسومة سلفًا، يخطئ قراءة التاريخ.
التوازن القائم اليوم هش… لكنه مقصود.
والردع المتبادل هو ما يمنع الانفجار.
ويبقى السؤال الأهم — خصوصًا للعراق:
هل نكون ساحة صراع الآخرين، أم دولة تمتلك قرارها وتفرض احترامها ضمن هذا المشهد المعقد؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى