آخر الأخبار
ألمقالات

مقال: حين يسقط الأمين… تتقدّم اللصوص

24..متابعة

كانت الأخبار تصل إلى القرية محمّلة بنذور الشؤم، كأن الريح تحمل معها حكايات السوء. فالناس تقول إنك إن حبست العقرب في إطارٍ ضيّق، ستلدغ كل ما حولها، ثم تعود فتلدغ نفسها في النهاية. وهكذا كان…


في أحد الأزمنة، عاش رجل فقير لكنه معروف بين أهل قريته بحسن الخلق والورع والطيبة. كان موضعًا للثقة، محبوبًا بين الكبير والصغير، في مجتمع بسيط يعتاش أهله مما تزرعه أيديهم. وفي نهاية كل سنة، يجمع القرويون محصولهم ومؤونتهم ويضعونها في مخزن كبير، خوفًا من اللصوص الذين يتحيّنون فرصة الشتاء القارس لسرقة ما تعب الناس عليه عامًا كاملًا.

وبالإجماع، وقع الاختيار على ذلك الرجل ليكون أمينًا على المخزن. فهو الرجل الذي لا غبار على دينه ولا سمعته، لكنه أيضًا الوحيد الذي يخشاه اللصوص، فلا يجرؤون على الاقتراب ما دام واقفًا حارسًا على باب القرية.

وفي ليلة مطيرة من ليالي الشتاء، طرق باب المخزن طارقٌ قبيل الفجر. فتح الرجل الباب فإذا بشابة فائقة الجمال تستغيث، ترتجف بردًا، تقول إن رجالًا يطاردونها. طلب منها أن تذهب إلى القرية، لكن توسلاتها وصوت المطر الذي يجلد الأرض جعلاه يلين. سمح لها بالدخول على أن تغادر عند أول ضوء للصباح.

جلست قرب المدفأة، وثيابها المبللة تلتصق بجسدٍ لم يخفِ منه البرد شيئًا. طلب منها أن تغتسل، فلما خرجت بثياب الرجل القديمة الممزقة، بدت كقمرٍ خرج من بين غيوم الليل. انزلقت قدما الأمين نحو فتنتها… حاول أن يقاوم، استعاذ من الشيطان، لكنه وجد نفسه يقترب خطوة بعد خطوة، فيما كانت هي لا تقاوم إلا بمقدار ما تزيد النار اشتعالًا.

ومع أول خيطٍ للصباح، كان المحظور قد وقع.

انتشر الخبر في القرية كالنار في الهشيم. لكن الغريب أن أحدًا لم يواجهه بلومٍ أو عتاب. خافوا إن عُزل من المخزن أن يعود اللصوص للاستباحة. فصمتوا… وكان صمتهم أول ثقب في جدار الأمان.

مرت الأيام، ورحلت الفتاة كما جاءت، وبقي أثرها في نفس الرجل. لم يعد ذلك الأمين الذي يعرفونه؛ صار يبحث عن كل امرأة تشبهها. تقرّب من نساء القرية، فحملت بعضهن منه، وانتشرت الفوضى الصغيرة… ثم جاءت الفوضى الأكبر: اللصوص.

كانوا يراقبون من بعيد، وعرفوا أن الأمين لم يعد أمينًا، وأن القرية انشغلت بنزواته وصراعاتها. فدخلوا بيوتها، ونهبوا مخازنها، واعتدوا على نسائها، وسقطت القرية التي كانت تعتز بقوتها، ليس لأنها ضعفت… بل لأن حارسها الأول هو الذي سقط.


هذه ليست قصة رجلٍ وقع في فتنة امرأة.
هذه حكاية عن شعوبٍ تُهزم من الداخل قبل أن يطلّ عليها عدوٌ من الخارج.
عن دولٍ تُباع بفتنة، وتنهار بصمت، وتُذبح بثقب صغير في جدار كبير.

فالرجل هنا هو صاحب السلطة حين ينحرف.
والفتاة ليست امرأة… بل الفتنة حين تأتي بثوب المغريات: مال، جاه، دعم، سلطة، أو وعد خارجي يخدع السذج.
وصمت القرية هو صمت الناس حين يَرَون الخطأ ويخشون الكلام.
أما اللصوص فهم كل قوة طامعة تنتظر لحظة سقوط الأمين لتدخل وتستبيح كل شيء.


الخاتمة الأقوى:

وهكذا سقطت القرية… لا لأن اللصوص أقوى، بل لأن أهلها ظنّوا أن خطيئة الحارس شأنٌ عابر، وأن الانحراف الصغير يمكن أن يُغتفر، وأن الصمت حكمة.
لكن الحقيقة التي لا ترحم تقول:
إن الحارس الذي يهزم نفسه… لن يصمد أمام أحد.

وما من أمةٍ نُهبت قوتها، ولا وطنٍ استبيحت أرضه، ولا مستقبلٍ ضاع من بين الأيدي، إلا وكان أول الطريق سقوطًا صغيرًا سُكت عنه.
فلا الفتنة كانت بريئة، ولا الأمين كان ملاكًا، ولا الشعب كان معذورًا.
الجميع اشتركوا في الجريمة بصمتهم، بخوفهم، ببحثهم عن راحةٍ قصيرة انتهت بثمنٍ غالٍ دفعه الجميع.

إنها العبرة التي لا ينجو منها أحد:

حين يتحول الأمين إلى تابعٍ لنزواته، وحين يختار الناس الصمت خوفًا من اللصوص…
يأتي اللصوص ليحكموا البلاد، ويصبح الشرف آخر ما يُدافع عنه، والمؤونة آخر ما يُحمى، والناس آخر من يُسأل عن رأيهم.

وإذا كانت تلك قرية صغيرة انهارت بسقوط أمين واحد،
فكيف بوطنٍ كامل حين يسقط فيه أكثر من أمين،
وتتعدد فيه الفتن،
ويطول فيه الصمت؟

هذه ليست حكاية…
هذا إنذار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى