مستشارية الأمن القومي بين من رأى المنصب امتيازًا ومن حمله تكليفًا وطنياً


مستشارية الأمن القومي
بين من رأى المنصب امتيازًا ومن حمله تكليفًا وطنياً
بقلم : عزيز المحمداوي
—————————
تُعدّ مستشارية الأمن القومي العراقي إحدى أكثر المؤسسات حساسية في بنية الدولة العراقية، فهي المرآة التي تنعكس عليها معادلات القوة، وموازين التهديد، ومصائر السلم الأهلي. وعلى امتداد سنواتها، تعاقبت عليها شخصيات اختلفت في الرؤية والمنهج والغاية، حتى بدا واضحًا أن الفارق الحقيقي لم يكن في الأسماء، بل في طبيعة ما كانت تبحث عنه تلك الأسماء.
في مرحلة الدكتور موفق الربيعي، اتخذت المستشارية شكلها الأول، لكنها بقيت أسيرة الإطار النظري أكثر من كونها مركزًا فاعلًا لصناعة القرار الاستراتيجي. كان الهاجس سياسيًا بقدر ما كان وطنيًا، فغلبت على المرحلة ملامح الحضور البروتوكولي أكثر من ملامح البناء المؤسسي العميق.
ثم جاء عهد السيد فالح الفياض، فازدادت خلالها مساحة النفوذ السياسي داخل المستشارية، واتخذت المؤسسة طابعًا أقرب إلى الامتداد الحزبي منه إلى العقل الأمني الجامع. وبقدر ما توسعت صلاحيات المنصب، انكمش دوره الاستراتيجي، حتى بدا أن الامتياز يغلب على الوظيفة، وأن الحسابات السياسية تزاحم مقتضيات الأمن الوطني.
أما السيد قاسم الأعرجي، فقد شكّل دخولُه المستشارية انتقالة نوعية. فهو رجل خبر الميدان قبل المكتب، وعرف طبيعة التهديدات قبل لغة التقارير. لم يتعامل مع المنصب بوصفه منصة نفوذ، بل بوصفه مسؤولية تتعلق بمستقبل العراق ومتانة نسيجه الاجتماعي. فظهر نهج يغلّب الحكمة على الاستعراض، والمصلحة الوطنية على الامتياز الشخصي، والسلم الأهلي على أي مكاسب أخرى.
وقد تميزت تجربته بسمات واضحة:
اولا:إعادة ضبط إيقاع المؤسسة على قاعدة المهنية لا الولاءات.
ثانيا: تقريب المسافات بين الأجهزة الأمنية وتخفيف حدّة التباينات السياسية في قراراتها.
ثالثا: صياغة مقاربات واقعية للتهديدات المعقّدة التي تواجه العراق.
رابعا: التعامل مع الأمن باعتباره ضمانة لحياة الناس، لا أداة بيد السلطة.
وهكذا، يظل التاريخ القريب شاهدًا على أن المناصب الرفيعة تكشف جوهر الرجال:
فمنهم من رأى فيها بابًا نحو الامتياز،
ومنهم من حملها كتجربة صامتة ومسؤولية ثقيلة يُراد لها أن تحفظ العراق لا أن تحكمه.
وفي هذا السياق، يبرز السيد قاسم الأعرجي بوصفه أحد الذين جعلوا من مستشارية الأمن القومي فضاءً لمشروع وطني، لا لمكسب سياسي، ولخطاب حكيم يسعى إلى تثبيت ركائز الاستقرار، وترميم السلم الأهلي الذي يشكل عمق العراق وأساس أمنه الوجودي.






